لا تقعدنّ وقد أكّلتها حطبا ... تعوذ من شرّها يوما وتبتهل
وقوله «تقعدن» يعنى أنه قائم في هذا الأمر جاد لا ينى، وتأمل المناسبة بين «أكلتها» و «تأتكل» في البيت قبله، وتأمل المناسبة بين «تعوذ من شرها يوما وتبتهل» وصلته بقوله «محبول ومحتبل» لأن عوذه من شرها يعنى أنه يسقط فيها وهذا هو المحبول أى الذى يسقط فى
حبالة والحبالة هنا من صنع يديه، وقد هجا يزيد بنى شيبان بقصيدة ثانية لم يذكر فيها سعيه بالبغضاء وانما كانت المجاهرة بالحرب وقد بدأها بذكر «هريرة» وقال «هريرة ودّعها وان لام لائم» وكأن الأعشى كان يصطنع خصائص أسلوبية خاصة في سياقات خاصة، وهذا أيضا من باب المناسبة.
وبحث مناسبات الصور اللغوية داخل القصيدة بحث جيد، واقترابك منه يعنى اقترابك الحقيقى من الشعر، واغفالك له يعنى اغفالك لحقيقة من حقائق الشعر لا تغنيك غناءها كل منجزات (كلود ليفى شتراوس، وفلاديمير بروب، ورومان باكويش، وغيرهم) . ممن قامت على «نفحاتهم» دراسات في الشعر الجاهلى، هى من الهزل الذى صار مذكورا في حياتنا الأدبية، وبقاء هؤلاء في ميادين الفكر والأدب مرتبط ببقاء مبررات أمثال هذه النوعية من كتابنا السياسيين، الذين يصفون كبراءنا بالذكاء الخارق والالهام العبقرى، ويصيرون هزائمهم نصرا، ولصوصيتهم كفاحا، وطغيانهم عدلا، وتخريبهم البلاد عمرانا، وتخريبهم الانسان بناء جديدا له، كما يقول هؤلاء: ان تخريب علم القدماء بناء لعلم جديد، اللغة واحدة، و «الحكاية» واحدة، هناك مجلات أدبية ودور نشر متخصصة في ترويج الفكر الفاسد، كما أن هناك صحفا سياسية متخصصة في «ترويج» الزعامات الفاسدة، واحذر أن تفصل بين الأمرين، وانظر نظر المتثبت إلى من في أيديهم توجيه الحركة السياسية، ومن في أيديهم توجيه الحركة الفكرية، وأنت واجد لا محالة شبها لا تخطئه عين ترى وأذن تسمع، وعقل يحلل ويستنبط، واعلم علما لا يخالجه ريب أن الأبراج العالية لو شابها شوب من الصدق وان قل لانعكس ذلك لا محالة على الآفاق الأخرى ولكسح كثيرا من هذا الهزل الذى صار سيد الساحة، ولكنها عن هذا الشوب من الصدق بعيدة بعيدة ودع ذا واقرأ قصيدة علقمة بن عبدة الفحل:
طحا بك قلب في الحسان طروب
بعيد الشباب عصر حان مشيب
يكلّفنى ليلى وقد شطّ وليها
وعادت عواد بيننا وخطوب
وهذه القصيدة لم يقل علقمة أفضل منها، وانما تشاركها في قدرها قصيدته: