من هذه الصورة ما ذكره الفراء في صور المشاكلة.
يقول: فان قال قائل «أرأيت قوله: {«فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ» } [291] : أعدوان هو وقد أباحه الله لهم؟ قلت: ليس بعدوان في المعنى انما هو لفظ على مثل ما سبق قبله، ألا ترى أنه قال: { «فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ» } [292] فالعدوان من المشركين في اللفظ ظلم في المعنى، والعدوان الذى أباحه الله وأمر به المسلمين انما هو قصاص فلا يكون القصاص ظلما وان كان لفظه واحدا، ومثله قوله تبارك وتعالى: { «وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا» } [293] وليست من الله على مثل معناها من المسيء لأنها جزاء [294]
وهذا قريب جدا مما قاله المتأخرون وليس بيان هذه الطريقة في حاجة إلى أكثر من هذا، اللهم الا أن يوضع في قالب علمى محدد، ثم اننا لو قسناه باشارات الفراء في مسائل النظم والبيان لوجدنا كلامه هنا يسبق اشاراته هناك سبقا بينا وذلك راجع إلى ما قلته.
وقد أشار ابن قتيبة إلى صور المشاكلة أيضا في باب مخالفة ظاهر اللفظ معناه وفى باب الاستعارة.
يقول في الباب الأول: «ومن ذلك الجزاء عن الفعل بمثل لفظه والمعنيان مختلفان نحو قوله تعالى {«إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ. اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ» } [295] ، أى يجازيهم جزاء الاستهزاء، وكذلك: { «سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ» } [296] ، و { «وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ» } [297] ، و { «وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا» } [298] ، هى من المبتدأ سيئة ومن الله عز وجل جزاء، وقوله:
{ «فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ» } [299]
(291) البقرة: 193
(292) البقرة: 194
(293) الشورى: 40
(294) معانى القرآن ص 116، 117
(295) البقرة: 14، 15
(296) التوبة: 79
(297) آل عمران: 54
(298) الشورى: 40
(299) البقرة: 194