فهرس الكتاب

الصفحة 250 من 744

واذا كانت هذه وظيفة علماء المعانى كما يحددها هذا النص فانه يمكن أن نقول: ان علم المعانى هو العلم الذى يرشد إلى ما تحمله النصوص الأدبية من دقيق المعانى وخفى الايحاءات وذلك بدراسة هذه النصوص وتقليب دلالتها على وجوه مختلفة وتوضيح ما يعطيه متن النص أو جانبه.

ونلاحظ هنا أن الأسلوب المدروس أسلوب التعريض وهو من فنون علم البيان كما حددها المتأخرون.

ويؤكد هذا المفهوم لهذا العلم قوله في آية: { «لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ» } [42] يقول: «فان قلت: من أين دل قوله {«وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ» } على أن المعنى ولا من فوقه؟ قلت:

من حيث أن علم المعانى لا يقتضى غير ذلك. وذلك أن الكلام انما سيق لرد مذهب النصارى وغلوهم في رفع المسيح عن منزلة العبودية فوجب أن يقال لهم: لن يترفع عيسى عن العبودية ولا من هو أرفع منه درجة.

كأنه قيل: لن يستنكف الملائكة المقربون من العبودية فكيف بالمسيح، ويدل عليه دلالة ظاهرة بينة تخصيص المقربين لكونهم أرفع الملائكة درجة وأعلاهم منزلة، ومثاله قول القائل:

وما مثله ممن يجاود حاتم ... ولا البحر ذو الأمواج يلتجّ زاخره

لا شبهة في أنه قصد بالبحر ذى الأمواج ما هو فوق حاتم في الجود ومن كان له ذوق فليذق مع هذه الآية قوله: { «وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارى» } [43] حتى يعترف بالفرق البين [44] .

ثم ما علاقة هذا المفهوم بمفهوم النظم أو علم النظم؟

نكون من المتكلفين إذا أقمنا هنا فرقا فقد أوضحنا أن علم النظم هو الذى يختص بابراز الأسرار والنكت كما قال، وليست الأسرار والنكت الا تلك المعانى الخفية التى تظل محتجبة حتى يبرزها راضة هذا العلم.

(42) النساء: 172

(43) البقرة: 120

(44) الكشاف ج 1ص 462، 463

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت