فهرس الكتاب

الصفحة 269 من 744

تعالى: { «قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» } [39] :

«فان قلت: هلا قيل يعلم السر لقوله: {«وَأَسَرُّوا النَّجْوى» } ؟

قلت: القول عام يشمل السر والجهر فكان في العلم به العلم بالسر وزيادة فكان آكد في بيان الاطلاع على نجواهم من أن يقول: يعلم سرهم، كما أن قوله «يعلم السر» آكد من أن يقول: يعلم سرهم، ثم بين ذلك بأنه { «السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» } لذاته فكيف تخفى عليه خافية. فان قلت: فلم ترك هذا الآكد في سورة الفرقان في قوله تعالى: { «قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ» } [40] ؟ قلت: ليس بواجب أن يجيء بالآكد في كل موضع ولكن يجيء بالوكيدة تارة وبالآكد أخرى كما يجيء بالحسن في موضع وبالأحسن في غيره ليفتن الكلام افتنانا وتجمع الغاية وما دونها، على أن أسلوب تلك الآية خلاف أسلوب هذه من قبل أنه قدم هاهنا أنهم أسروا النجوى فكأنه أراد أن يقول: ان ربى يعلم ما أسروه، فوضع القول موضع ذلك للمبالغة، وثم قصد وصف ذاته بأنه: { «أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ» } فهو كقوله: { «عَلَّامُ الْغُيُوبِ» } ، { «عَالِمِ الْغَيْبِ، لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ» } [41] .

وفى هذا النص يتضح رأيه في تفاوت بلاغة القرآن بين البليغ والأبلغ، والحسن والأحسن، ليجمع الغاية وما دونها كما يقول. وفيه نزعة اعتزالية لا نتعرض لها لأننا منصرفون إلى تمحيص البحث البلاغى في هذا الكتاب أما أن الصفات عين الذات كما يقول أو غيرها كما يقول أهل السنة وكما رد بذلك ابن المنير في قوة جدل فذلك أمر لا نريد أن نزحم بحثنا به.

(39) الكشاف ج 1ص 1والآية من سورة الأنبياء: 4

(40) الفرقان: 6

(41) الكشاف ج 3ص 81، وينظر الشهاب الخفاجى ج 6 ص 345والآية من سورة سبأ: 3

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت