والزمخشرى يعتمد في تفسير الكلمة على خبرته اللغوية واحاطته بمفردات اللغة ومعانيها وعلى فقه الأساليب وادراك المقامات التى تجرى فيها الكلمة وتكون فيها معروفة مشهورة، ثم على ذوقه الذى يقبل ويرفض، وله في هذا الكلمة العليا.
يقول في قوله تعالى: { «فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ» } : «فان قلت: هلا فسرت «عفا» ب «ترك» حتى يكون «شىء» في معنى المفعول به؟ قلت:
لأن عفا الشيء بمعنى تركه ليس يثبت ولكن اعفاءه، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «واعفوا اللحى» . فان قلت: فقد ثبت قولهم: عفا أثره، إذا محاه وأزاله، فهلا جعلتم معناه: فمن محى له من أخيه شىء؟
قلت: عبارة قلقة في مكانها والعفو في باب الجنايات عبارة متداولة مشهورة في الكتاب والسنة واستعمال الناس فلا يعدل عنها إلى أخرى قلقة نابية عن مكانها» [42] .
وقد يشير في تفسير الكلمة إلى مدلولها الحسى ويربط بين هذا المدلول وبين المراد منها، وحسه في هذا دقيق بالغ، يقول في قوله تعالى: { «مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ» } [43] : «ومعنى {«مُذَبْذَبِينَ» } ذبذبهم الشيطان والهوى بين الايمان والكفر فهم مترددون بينهما متحيرون، وحقيقة المذبذب الذى يذب عن كلا الجانبين أى يزاد ويدفع فلا يقر في جانب واحد كما قيل: فلان يرمى به الرحوان، الا أن الذبذبة فيها تكرار ليس في الذب، كان المعنى: كلما مال إلى جنب ذب عنه» [44] .
وقد يتتبع الزمخشرى الكلمة في معجم القرآن الكريم ويحدد دلالتها في ضوء هذا التتبع ويرفض أن يكون المراد منها معنى آخر وان أقرته اللغة، وهذا لفت قديم إلى وجوب النظر في ألفاظ القرآن
(42) الكشاف ج 1ص 167
(43) النساء: 143
(44) الكشاف ج 1ص 449