فهرس الكتاب
اياه بالسب: «اياك أعنى» أى لا أقصد بهذا الشتم سواك فكيف تعرض؟
وقول صاحبه له: «وعنك أعرض» أى أعرض عنك خصوصا، وقول أبى حيان: «والتقديم عنده يوجب الاختصاص» ليس كلاما دقيقا لأن التقديم عنده يفيد الاختصاص ولا يوجبه، ولذلك نراه يسكت عن الاختصاص في بعض الآيات كما رأينا في آية: { «أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ» } ، وكما قال في قوله تعالى: { «أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا» } [84] ، وفى قوله تعالى:
{ «أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ» } [85] فانه جعل التقديم في كل هذا للأهمية، وسكت عن دلالة الاختصاص، لأن المراد انكار أن يكون غير الله بمثابة أن يتخذ وليا، وأن يكون غير دين الله بمثابة أن يقصد ويطلب، وأن يكون غير الله كذلك أهلا لأن يعبد، وكان التقديم ليتوجه الانكار إلى المقدم فيفيد ما ذكرنا، ولنا دراسة في باب الاستفهام سوف نبين فيها تعدد دلالات التقديم في باب الاستفهام.
أما تقديم بعض المعمولات على بعض فاننا حين نتتبع مواقعها في الكشاف نلحظ أن الزمخشرى أدار حديثه فيها على أصول.
منها مراعاة أحوال النفس في نسق الكلام وترتيبه، فالقرآن حين يحث النفس الانسانية أن تعطى حق الله والناس، انما يواجهها بما يظن أنها تنصرف عنه، ويورده في النسق مقدما على ما اطمأنت النفس إلى بذله، يقول في قوله تعالى: { «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ» } [86] : «فان قلت: لم قدمت الوصية على الدين، والدين مقدم عليها في الشريعة؟ قلت: لما كانت الوصية مشبهة للميراث في كونها مأخوذة من غير عوض كان اخراجها مما يشق على الورثة، ويتعاظمهم، ولا تطيب أنفسهم بها، كان أداؤها مظنة للتفريط، بخلاف الدين، فان نفوسهم مطمئنة إلى أدائه، فلذلك قدمت على الدين بعثا على
(84) الكشاف 2ص 7، والآيتين من سورتى آل عمران: 83، والأنعام: 14
(85) الزمر: 64
(86) النساء: 12