فهرس الكتاب
وجوبها، والمسارعة إلى اخراجها مع الدين، ولذلك جىء بكلمة «أو» للتسوية بينهما في الوجوب» [87] .
وفى مقام دفع النفس إلى محاربة شهواتها ومجاهدة شرورها يقدم في نهيه ما يمكن أن يكون سببا للخطيئة ومؤديا اليها، يقول في قوله تعالى: { «وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ» } [88] : «فان قلت: لم قدم غض الأبصار على حفظ الفروج؟
قلت: لأن النظر بريد الزنا ورائد الفجور، والبلوى فيه أشد وأكثر» [89] .
وحينما يصف القرآن أهوال يوم القيامة وشغل كل امرئ بنفسه وفراره من أهله يقول سبحانه: { «يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ. وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ. وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ» } [90] وفى هذا الترتيب يلحظ الزمخشرى أحوال احساس النفس بالهول، وتدرجها في هذه الأحوال، وفرارها من أصناف الأهل، على وفق مراتب شعورها بالهول، يقول: «وبدأ بالأخ، ثم بالأبوين، لأنهما أقرب منه، ثم بالصاحبة والبنين، لأنهم أقرب منه وأحب، كأنه قال: يفر من أخيه، بل من أبويه، بل من صاحبته، وبنيه» [91] .
ونجد ترتيبا يقرب من عكس هذا الترتيب في آية أخرى، ونجد الزمخشرى يفسره تفسيرا وجدانيا ويبين مواقع الكلمات على وفق منازلها في النفس يقول في قوله تعالى: { «فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ» } [92] : «وخص الأبناء والنساء لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب وربما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتى يقتل، ومن ثم كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن لتمنعهم من
(87) الكشاف ج 1ص 373
(88) النور: 31
(89) الكشاف ج 3ص 181
(90) عبس: 3634
(91) الكشاف ج 4ص 563
(92) آل عمران: 61