فهرس الكتاب

الصفحة 343 من 744

الهرب، ويسمون الزادة منهم بأرواحهم حماة الحقائق، وقدمهم في الذكر على الأنفس، لينبه على لطف مكانهم، وقرب منزلتهم، وليؤذن بأنهم مقدمون على الأنفس مفدون بها» [93] .

ومنها تقديم الأفضل، يقول في قوله تعالى: { «وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ» } [94] :

«فان قلت: لم قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلم على نوح فمن بعده؟ قلت: هذا العطف لبيان فضيلة الأنبياء الذين هم مشاهيرهم وذراريهم، فلما كان محمد صلّى الله عليه وسلم أفضل هؤلاء المفضلين قدم عليهم لبيان أنه أفضلهم، ولولا ذلك لقدم من قدمه زمانه، فان قلت: فقد قدم عليه نوح عليه السلام في الآية التى هى أخت هذه الآية وهى قوله تعالى: {«شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ» } [95] ثم قدم على غيره؟ قلت: مورد هذه الآية على طريقة خلاف طريقة تلك، وذلك أن الله تعالى انما أوردها لوصف دين الاسلام بالأصالة والاستقامة، فكأنه قال: شرع لكم الدين الأصيل الذى بعث عليه نوح في العهد القديم، وبعث عليه محمد خاتم الأنبياء في العهد الحديث، وبعث عليه من توسط بينهما من الأنبياء المشاهير» [96] .

ولاهتمامه بتقديم الأفضل يبحث سر تأخيره في بعض الصور مبينا كيف خالف القرآن هذا الأصل في التقديم. يقول في قوله تعالى:

{ «وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ» } [97] :

«فان قلت: لم قدمت الأرض على السماء بخلاف قوله تعالى في سورة سبأ: {«عَالِمِ الْغَيْبِ، لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ» } ؟ [98] قلت: حق السماء أن تقدم على الأرض، ولكنه لما ذكر

(93) الكشاف ج 1ص 283.

(94) الأحزاب: 7

(95) الشورى: 13

(96) الكشاف ج 3ص 415.

(97) يونس: 61

(98) سبأ: 3

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت