أن يكون لمعنى في كل صورة، وهذا قول جرىء وخصوصا بالنسبة للجملة القرآنية التى أودعها الله من أسرار البلاغة ما أعجز الانسان في كل عصوره. يقول الزمخشرى في قوله تعالى: { «تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ» } [116] : «فان قلت: ما الفرق بين هذا وبين قوله: {«الر، تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ» } ؟ [117] قلت: لا فرق بينهما الا ما في المعطوف عليه من التقدم والتأخر، وذلك على ضربين: ضرب جار مجرى التثنية لا يترجح فيه جانب على جانب، وضرب فيه ترجح، فالأول نحو قوله تعالى: { «وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا» } [118] ومنه ما نحن بصدده، والثانى نحو قوله تعالى: { «شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ» } [119] .
ومثل هذا ما قاله في المقارنة بين قوله تعالى: { «وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ» } [120] ، وقوله تعالى:
{ «لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ» } [121] فانه رجع بعد ما ذكر وجها حسنا، أشرنا اليه سابقا. فقال: «على أن العطف بالواو حكمه حكم التثنية» [122] .
وقد روى في قوله تعالى: { «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ» } [123] حكاية الأعرابى الذى أخر { «خَيْرًا يَرَهُ» } فقيل له: قدمت وأخرت، فقال:
خذا بطن هرشى أو قفاها فإنّه ... كلا جانبى هرشى لهنّ طريق
ولم يعلق عليها. وقد نظرت في بيان وجه التقديم في هذه
(116) النمل: 1
(117) الحجر: 1
(118) الأعراف: 161
(119) الكشاف ج 3ص 273والآية من سورة آل عمران: 18
(120) يونس: 61
(121) سبأ: 3
(122) الكشاف ج 2ص 278
(123) الزلزلة: 7، 8