القصر. أى انما يقدر على ذلك الله. ولم يقدر السكاكى فيه تقديما بل حمله على الابتداء دون تقدير التقديم، كما هو أحد الاحتمالين اللذين ذكرهما فى: أنا قمت، فلا يفيد غير تقوى الحكم» [155] .
فتلخص من كل ما ذكرنا أن التقديم مع همزة الاستفهام يكون لبيان المطلوب بمعناها، ويكون أيضا لافادة التقوى والتخصيص، ولا تزاحم بين النكات، الا أننا في تحليل هذه الصورة نهتم ببيان معنى الاستفهام أو التقرير، وتوجهه إلى الفاعل أو المفعول، لأن ذلك هو الأهم في الجملة. وقد يكون مناط الفائدة فيها، وللعلامة سعد الدين ملاحظة دقيقة في هذه المسألة. فقد لحظ أن الانكار حين يتوجه إلى المفعول المقدم للاختصاص قد تظن أن القصد فيه انكار الاختصاص لأن الاختصاص قيد والانكار نفى، والنفى انما يتوجه إلى القيد دون المقيد، ثم أجاب عن هذا الوهم اجابة فيها كثير من التكلف».
يقول سعد الدين في شرحه للكشاف معلقا على قوله في آية: { «أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ» } [156] : «فان قلت: لو كان التقديم في الآيتين للاختصاص لكان مدلول الكلام انكار اختصاص الغير بالعبادة والربوبية، وهو لا يفيد انكار الشركة بل ربما يفيد جوازها بناء على ما تقرر عندهم من أن النفى إذا أدخل في كلام فيه قيد توجه إلى القيد خاصة، وأفاد ثبوت أصل الحكم. قلت: ذلك انما يكون إذا اعتبر القيد أولا ثم نفى، وأما إذا اعتبر النفى أولا ثم قيد فلا، والتعويل على القرائن، فههنا اعتبر النفى والانكار ثم الاختصاص، فكان لاختصاص الغير بالانكار، بمعنى أن المنكر هو الأمر بعبادة الغير، ألا ترى قولنا: ما زيدا ضربت، وما أنا قلت هذا، معناه: ولكنى ضربت غيره، وقلت أنا وغيرى، وأن قوله تعالى:
{ «وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ» } [157] لتأكيد النفى لا لنفى التأكيد» [158] .
(155) عروس الأفراح في شروح التلخيص ج 2ص 300.
(156) الزمر: 64
(157) البقرة: 8
(158) حاشية سعد الدين على الكشاف ورقة 16