وهذه التحقيق صورة من البحث البلاغى الذى استغرقه النظر العقلى وهو كلام لا نستطيع انكاره، لأنه يقوم على النظر والمنطق، وما يقوم على هذين يصعب ابطاله، ولكننا مطمئنون إلى أن لدراسة اللغة وفهم الأساليب منطقا آخر، وهذا المنطق كما أتصوره هو منطق الاحساس والفطرة، هو ما يتبادر إلى الذهن عند سماع التعبير، وعليه عوّل سعد الدين في هذه المناقشة حين قال: والتعويل على القرائن، اما أن يكون الكلام قد روعى فيه القيد أولا ثم نفى، فيكون النفى منصبا على القيد، أو أنه نفى ثم قيد فيكون لتقييد النفى لا لنفى التقييد، فهذه أمور لا يراعيها الناس في انشائهم، ولا تخطر بخيال متكلم، وما أشبه هذا بقول من قال: ان قولنا: ضرب زيد، فيه مجازا لأن الضارب يده، وقولنا: ضربت عمرا، فيه مجازا، لأنك تضرب يده أو رأسه لا كله، كل هذه ملاحظات قد يستجيب لها المنطق ولكنها تكلف في دراسة الأساليب.
أما البحث الثانى من مباحث الاستفهام فهو بحث يتعلق ببيان المعانى التى تفيدها أداة الاستفهام مما هو غير معناه الحقيقى. وواضح أن الاستفهام بمعناه الأصلى لا يقع في كلام رب العزة لأن احاطة علمه شاملة، ولهذا كثر حديث الزمخشرى عن المعانى التى تفهم من صورة الاستفهام. نعم قد يقع الاستفهام الحقيقى في القرآن حين يحكى مواقف أو يفصل مقاولات. والمهم أن أكثر أساليب الاستفهام في الكتاب العزيز جاءت لغير المعنى الحقيقى للاستفهام.
فالاستفهام قد يفيد تفخيم شأن المستفهم عنه كما في قوله تعالى:
{ «عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ» } [159] ومعنى هذا الاستفهام تفخيم الشأن كأنه قال:
عن أى شىء يتساءلون، ونحوه «ما» في قولك: زيد ما زيد؟، جعلته لانقطاع قرينه، وعدم نظيره، كأنه شىء خفى عليك جنسه، فأنت تسأل عن جنسه، وتفحص عن جوهره، كما تقول: ما الغول؟ وما العنقاء؟
تريد أى شىء هو من الأشياء، هذا أصله ثم جرد للعبارة عن التفخيم،
(159) النبأ: 1