منها الإشارة إلى التسوية بين فعل المأمور به وتركه وهذا دال على نهاية السخط على المأمور ورد أعماله اليه، أو دال على نهاية الرضا والقبول، يقول في قوله تعالى: { «قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ» } [257] :
«فان قلت: كيف أمرهم بالانفاق ثم قال {«لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ» } ؟ قلت: هو أمر في الخبر كقوله تبارك وتعالى: { «قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا» } [258] ومعناه لن يتقبل منكم أنفقتم طوعا أو كرها، ونحوه قوله: { «اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ» } [259] وقوله: أسيئى بنا أو أحسنى لا ملومة. أى لن يغفر الله لهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم، ولا نلومك أسأت الينا أم أحسنت، فاذا قلت: متى يجوز نحو هذا؟ قلت: إذا دل الكلام عليه كما جاز عكسه في قولك: رحم الله زيدا، وغفر له، فان قلت: لم فعل ذلك؟ قلت: لنكتة فيه وهى أن كثيرا كأنه يقول لعزة: امتحنى لطف محلك عندى وقوة محبتى لك وعاملينى بالاساءة والاحسان وانظرى هل يتفاوت حالى معك مسيئة كنت أم محسنة، وفى معناه قول القائل:
أخوك الذى ان قمت بالسيف عامدا ... لتضربه لم يستغثّك في الودّ
وكذلك المعنى: أنفقوا وانظروا هل يتقبل منكم؟ واستغفر لهم وانظر هل ترى اختلافا بين حال الاستغفار وتركه» [260]
ويكرر هذا التحليل في قوله تعالى: { «اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ» } [261]
وقد تشير هذه الطريقة إلى معنى اهانة المأمور، واحتقاره، وازدرائه، وأنه لا يلتفت إلى فعله، يقول في قوله تعالى: {«قُلْ آمِنُوا}
(257) التوبة: 53
(258) مريم: 75
(259) التوبة: 80
(260) الكشاف ج 2ص 219218.
(261) الكشاف ج 2ص 270.