فهرس الكتاب
الشفقة البالغة، وأنك ان حفظت مالك اعتد بحفظك ثوابا، ورضى به كما يرضى المثاب بالثواب» [343]
ويلاحظ أنها أحسن ما تكون موقعا إذا كان ما بعد «الا» غير داخل فيما قبلها، أى في حال الاستثناء المنقطع وكأن البلاغيين وأكثرهم من مقدمى النحاة لما قصروا البحث فيها على هذين الموضعين استلهوا باب الاستثناء في النحو وكأن بحث القصر امتداد للاستثناء المتصل غير الموجب، وبحث تأكيد المدح في أحد وجوهه امتداد للاستثناء المنقطع غير الموجب، واذا كنا نلاحظ أنها أحسن ما تكون موقعا في حالة الاستثناء المنقطع فان هذا يعنى أن البلاغيين أهملوا بحث أحسن مواقعها لأنهم لم يدرسوا من هذه الأحوال حالا واحدة هى تأكيد المدح بما يشبه الذم وعكسه، ولست أدرى لماذا اختص البلاغيون هذه الحالة ودرسوها وأهملوا غيرها من حالات التأكيد وهى جد كثيرة في كتاب الله.
وهناك كثير من الصور التى تنبه اليها الزمخشرى ونبه اليها وهى كما قلت تدور حول فائدة التأكيد، يقول الزمخشرى في قوله تعالى: { «لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ. لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ» } [344] : «أو أريد لا اطعام أصلا، لأن الضريع ليس بطعام للبهائم فضلا عن الانس، لأن الطعام ما أشبع أو أسمن، وهو منهما بمعزل، كما تقول: ليس لفلان ظل الا الشمس، تريد نفى الظل على التوكيد» [345]
ويقول في قوله تعالى: { «قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ» } : «فان: لم رفع اسم الله والله يتعالى أن يكون ممن في السموات والأرض؟ قلت: دعت اليه نكتة سرية ليئول المعنى إلى قولك: ان كان الله ممن في السموات والأرض فهم يعلمون الغيب، يعنى أن علمهم الغيب في استحالته كاستحالة أن يكون الله منهم، كما أن معنى ما في البيت يعنى قوله:
وبلدة ليس بها أنيس إلا ... اليعافير وإلا العيس
(343) الكشاف ج 3ص 227
(344) الغاشية: 6، 7
(345) الكشاف ج 4ص 395