وأغراض الكلام لا تضبط ولا تحصر لأنها مظهر لخواطر النفس ومشاعرها وهذه الخواطر والمشاعر لا سبيل إلى حصرها.
وكان الزمخشرى قوى الحس بالجملة وايماءاتها ولهذا يستخرج منها أدق أسرارها وينفذ منها إلى الأبعاد الغائمة في مستسر نفس قائلها يقول في قوله تعالى: { «قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسى» } [520] : يلوح من جيب قوله: { «أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ» } أن فرائصه كنت ترعد خوفا مما جاء به موسى عليه السلام لعلمه وايقانه أنه على الحق وأن الحق لو أراد قود الجبال لانقادت، وأن مثله لا يخذل، ولا يقل ناصره، وأنه غالبه على ملكه لا محالة، وقوله «بسحرك» تعلل وتحير والا فكيف يخفى عليه أن سحرا لا يقدر أن يخرج ملكا مثله من أرضه ويغلبه على ملكه بالسحر» [521]
ويدرك هذا التحير والدهش في أعماق نفس فرعون في خطاب آخر لقومه يقول في قوله تعالى: { «إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ. يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَا ذَا تَأْمُرُونَ» } [522] : «ولقد تحير فرعون لما أبصر الآيتين، وبقى لا يدرى أى طرفيه أطول، حتى زال عنه ذكر دعوى الألوهية، وحط عن منكبيه كبرياء الربوبية، وارتعدت فرائصه، وانتفخ سحره خوفا وفرقا، وبلغت به الاستكانة لقومه الذين هم بزعمه عبيده، وهو إلههم أن طفق يؤامرهم ويعترف لهم بما حذره، وتوقعه وأحس به من جهة موسى عليه السلام، وغلبته على ملكه وأرضه، وقوله {«إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ» } قول باهت إذا غلب، ومتمحل إذا لزم» [523]
وفى موقف آخر من مواقف فرعون وخطابه للسحرة يلمح
(520) طه: 57
(521) الكشاف ج 3ص 54
(522) الشعراء: 34، 35
(523) الكشاف ج 3ص 244