فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 744

وهذه الدراسة ليست من البحوث التى نجهد أنفسنا فيها لنضعها في مكانها من تاريخ العلوم وانما لنضعها في مكانها من دراستنا الأدبية المعاصرة فهى منهج دقيق في دراسة النصوص الأدبية وتحليلها والبحث عن مكامن القوة والتأثير فيها ولا أجد بحثا يقاربه في تاريخ البلاغة والنقد العربى، وهذه حقيقة أدرك أبعادها وأطمئن إلى شمولها وصدقها، فبلاغة عبد القاهر التى راقت كثيرا من الباحثين المحدثين أضعها بعد دراسة الزمخشرى، وذلك لأن التحليل والتفسير الذى هو صميم البحث وخلاصته في دراسة الزمخشرى أشمل وأدق.

وجهد الزمخشرى البلاغى كما قلت تائه في تفسيره، لذلك لم يلتفت اليه كثير من الباحثين المهتمين بالبحث عن أصول قضايا النقد المعاصر في التراث العربى، ولذلك أزعم أن اخراج هذا البحث قد يثير بعض البحوث والدراسات حول هذا الجهد الشامخ، وألفت هنا إلى بعض الأصول التى لم تكن واضحة في دراستنا البلاغية والنقدية وان كانت كل صفحة كتبها الزمخشرى في بلاغة القرآن تصلح أن تكون صفحة مشرقة في دراستنا اليوم وغدا، فكل دراسته لهذا الجانب البلاغى تتميز بالخصوبة والحيوية والقدرة على العطاء، وليس من حقنا أن نطالب القوم بكل ما تحتاجه حياتنا الأدبية، ففي ذلك الغاء لوجودنا، ويكفى أن نجد عندهم قبسات تنير لنا الطريق فنمضى على هديهم، ولو استطاع باحث معاصر أن يبدأ من حيث انتهى الزمخشرى وأن يضيف قدر ما أضاف كما فعل الزمخشرى نفسه مع أستاذه عبد القاهر لكان رائدا من روادنا، فالزمخشرى قبل أن يتصدى إلى الدرس الأدبى في القرآن أعد نفسه لهذا الجهد العظيم بدراسة واسعة هضم فيها الثقافة الفارسية واستوعبها، ودرس الثقافة اليونانية دراسة تمثل، وكان مؤسسو هذا التراث أنشط منا في متابعة الفكر الانسانى في كل مظانه، وأقدر على فقه الثقافات الأجنبية وتمثلها، وأصبر على البحث والدرس، وكانوا يفرزون هذه العصارات المختلفة عربية الشكل والجوهر حتى يخيل اليك أنهم لم يقرءوا غير التراث العربى، وهذه وظيفة الرواد القوامين على

ثقافات الأمم وحضارتها والحراس المحافظين على ملامحها وأصالتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت