فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 744

وجهد الزمخشرى البلاغى كما قلت تائه في تفسيره، لذلك لم يلتفت اليه كثير من الباحثين المهتمين بالبحث عن أصول قضايا النقد المعاصر في التراث العربى، ولذلك أزعم أن اخراج هذا البحث قد يثير بعض البحوث والدراسات حول هذا الجهد الشامخ، وألفت هنا إلى بعض الأصول التى لم تكن واضحة في دراستنا البلاغية والنقدية وان كانت كل صفحة كتبها الزمخشرى في بلاغة القرآن تصلح أن تكون صفحة مشرقة في دراستنا اليوم وغدا، فكل دراسته لهذا الجانب البلاغى تتميز بالخصوبة والحيوية والقدرة على العطاء، وليس من حقنا أن نطالب القوم بكل ما تحتاجه حياتنا الأدبية، ففي ذلك الغاء لوجودنا، ويكفى أن نجد عندهم قبسات تنير لنا الطريق فنمضى على هديهم، ولو استطاع باحث معاصر أن يبدأ من حيث انتهى الزمخشرى وأن يضيف قدر ما أضاف كما فعل الزمخشرى نفسه مع أستاذه عبد القاهر لكان رائدا من روادنا، فالزمخشرى قبل أن يتصدى إلى الدرس الأدبى في القرآن أعد نفسه لهذا الجهد العظيم بدراسة واسعة هضم فيها الثقافة الفارسية واستوعبها، ودرس الثقافة اليونانية دراسة تمثل، وكان مؤسسو هذا التراث أنشط منا في متابعة الفكر الانسانى في كل مظانه، وأقدر على فقه الثقافات الأجنبية وتمثلها، وأصبر على البحث والدرس، وكانوا يفرزون هذه العصارات المختلفة عربية الشكل والجوهر حتى يخيل اليك أنهم لم يقرءوا غير التراث العربى، وهذه وظيفة الرواد القوامين على

ثقافات الأمم وحضارتها والحراس المحافظين على ملامحها وأصالتها.

ومن هذه الأصول التى أذكرها على سبيل المثال لا الحصر:

1 -دراسة المعانى والقول في صحتها وتناقضها وأنواعها وأجناسها وتآخيها وتناسبها ومحاولة الكشف عن الأسس التى سار عليها نسق الجمل والآيات وكيف تترابط وتتوحد حتى كأن بعضها يأخذ بحجز بعض، وهذا بحث هام في قضايا النقد، ولكنه ظل بعيدا عن الدرس الأدبى يمثل علم المناسبة في علوم القرآن، وقد قال المختصون: انه أى علم المناسبة علم شريف لم يحاوله الا قلة من العلماء لدقته وصعوبة مسلكه. والذين حاولوه كانوا جميعا من الأدباء المشهود لهم بصفاء النفس وسلامة الحس، وقد قال أبو بكر النيسابورى: ان اعجاز القرآن البلاغى لم يرجع الا إلى هذه المناسبات الخفية والقوية بين آياته وسوره حتى كأن القرآن كله كالكلمة الواحدة ترتيبا وتماسكا [1] .

ولم يفد نقاد الأدب من هذه الدراسة القرآنية، لذلك جاء كلامهم في تناسب أجزاء النص كلاما ضعيفا باهتا يعنى فقط ببيان حسن التخلص والانتقال، فظلت القصيدة العربية في منظور النقد تنطوى على ألوان عديدة من الأغراض والمقاصد في غير رباط شعرى واضح.

2 -كانت دراسة تناسب المعانى ثمرة النظر الشامل في النص والخروج عن دائرة الجملة، فقد كان الزمخشرى بعد الدراسة التحليلية للجمل وبيان ترتيب معانيها وتناسقها ينظر نظرة أوسع يصف النص ويشير إلى بعض الظواهر البلاغية في الأسلوب، وكثير مما أثبتناه في دراسة النظم وفى البحث في الجمل يشير إلى هذه النظر العامة، ومن ذلك قوله معلقا على قوله تعالى: {«وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ. وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ، صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ}

(1) هناك محاولات قديمة للامام الرازى في تفسيره، والشيخ الامام البقاعى وله في ذلك كتاب قيم ومخطوط في دار الكتاب، وحاول هذا البحث من المعاصرين مولانا الشريف التهانوى الهندى في كتاب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت