فهرس الكتاب

الصفحة 433 من 744

ما بال ساقتى قصة عاد وقصة مدين جاءتا بالواو، والساقتان الوسيطان بالفاء؟ قلت: وقعت الوسطيان بعد ذكر الوعد وذلك قوله:

{ «إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ» } ، { «ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ» } [9] فجىء بالفاء الذى هو السبب كما تقول: وعدته فلما جاء الميعاد كان كيت وكيت، وأما الأخيرتان فلم تقع بتلك المثابة، وانما وقعتا مبتدأتين فكان حقهما أن تعطفا بحرف الجمع على ما قبلهما كما تعطف قصة على قصة» [10] .

وقد يكون سقوط العاطف تخييلا باستقلال الجمل في معانيها كما قلنا ولتكون كل واحدة منها كأنها كافية في الغرض المسوق له الكلام.

يقول في قوله تعالى: { «الرَّحْمَنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ. خَلَقَ الْإِنْسَانَ. عَلَّمَهُ الْبَيَانَ. الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ. وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ» } [11] :

«الرحمن: مبتدأ وهذه الأفعال مع ضمائرها أخبار مترادفة، واخلاؤها من العاطف لمجيئها على نمط التعديد، كما تقول: زيد أغناك بعد فقر، أعزك بعد ذل، كثرك بعد قلة، فعل بك ما لم يفعل أحد بأحد، فما تنكر من احسانه؟! فان قلت: كيف أخل بالعاطف في الجمل الأول ثم جىء به بعد؟ قلت: بكت بتلك الجمل الأول واردة على سنن التهديد ليكون كل واحدة من تلك الجمل مستقلة في تقريع الذين أنكروا الرحمن وآلاءه، كما يبكت منكر أيادى المنعم عليه بتعديدها عليه في المثال الذى قدمته، ثم رد الكلام إلى منهاجه بعد التبكيت في وصل ما يجب وصله للتناسب والتقارب بالعاطف» [12] .

ويذكر الزمخشرى أن الجمل التى يقرر بعضها بعضا تتناسق من داخلها ويأخذ بعضها بعنق بعض، وهذا التناسق الداخلى أقوى فى

(9) هود: 81، 65

(10) الكشاف ج 2ص 332.

(11) الرحمن: 61

(12) الكشاف ج 4ص 353.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت