ترابطها من ذكر حرف النسق، ولذلك كان اعتباره أدخل في البلاغة من غيره، وفى ترتيب هذا النوع من الجمل وبناء بعضه على بعض ما يبين منه قوة الكلام وجودة بلاغته.
يقول في قوله تعالى: { «الم. ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ، هُدىً لِلْمُتَّقِينَ» } [13] :
«والذى هو أرسخ عرقا في البلاغة أن يضرب عن هذه المحال صفحا وأن يقال: ان قوله {«الم» } جملة برأسها أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها و { «ذَلِكَ الْكِتَابُ» } جملة ثانية، و { «لَا رَيْبَ فِيهِ» } جملة ثالثة، و { «هُدىً لِلْمُتَّقِينَ» } رابعة، وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة، وموجب حسن النظم، حتى جىء بها متناسقة هكذا من غير نسق، وذلك لمجيئها متآخية آخذا بعضها بعنق بعض، فالثانية متحدة بالأولى معتنقة لها وهلم جرا إلى الثالثة والرابعة، بيان ذلك أنه نبه أولا على أنه الكلام المتحدى به، ثم أشير بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال فكان تقريرا لجهة التحدى وشدا من أعضاده، ثم نفى عنه أن يتشبث به طرف من الريب فكان شهادة وتسجيلا بكماله، لأنه لا كمال أكمل مما للحق واليقين، ولا نقص أنقص مما للباطل والشبهة، وقيل لبعض العلماء: فيم لذتك؟ فقال: في حجة تتبختر اتضاحا، وفى شبهة تتضاءل افتضاحا، ثم أخبر عنه بأنه { «هُدىً لِلْمُتَّقِينَ» } فقرر بذلك كونه يقينا لا يحوم الشك حوله، وحقا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ثم لم تخل كل واحدة من الأربع بعد أن رتبت هذا الترتيب الأنيق ونظمت هذا النظم السوى من نكتة ذات جزالة» [14] .
والجمل التى تتوارد على سبيل البيان لا حاجة فيها إلى ذكر لفظ يدل على الربط لأنها ما دامت كذلك فهى شىء واحد، أو هى
(13) البقرة 1، 2
(14) الكشاف ج 1ص 29