فهرس الكتاب

الصفحة 471 من 744

ما تركب منه الجسد قد أصابه الوهن. ولو جمع لكان قصدا إلى معنى آخر وهو أنه لم يهن منه بعض عظامه ولكن كلها وشبه الشيب بشواظ النار في بياضه وانارته وانتشاره في الشّعر وفشوه فيه، وأخذه منه كل مأخذ باشتعال النار، ثم أخرجه مخرج الاستعارة. ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته. وهو الرأس. وأخرج الشيب مميزا ولم يضف الرأس اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكريا، فمن ثم فصحت هذه الآية وشهد لها بالبلاغة» [156] .

ولو نظرنا إلى ما كتبه عبد القاهر في هذه الآية لتبين لنا أن جزءا كبيرا من كلام الزمخشرى ليس الا تلخيصا لكلام عبد القاهر [157] .

ويقول الزمخشرى في قوله تعالى: { «وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» } [158] :

«نداء للأرض وللسماء بما ينادى به الحيوان المميز على لفظ التخصيص والاقبال عليهما بالخطاب من بين سائر المخلوقات. وهو قوله {«يَا أَرْضُ» } و { «يَا سَمَاءُ» } . ثم أمرهما بما يؤمر به أهل التمييز والعقل من قوله { «ابْلَعِي مَاءَكِ» } و { «أَقْلِعِي» } . من الدلالة على الاقتدار العظيم. وأن السموات والأرض وهذه الأجرام العظام منقادة لتكوينه فيها ما يشاء غير ممتنعة عليه كأنها عقلاء مميزون قد عرفوا عظمته وجلاله.

وثوابه. وعقابه. وقدرته على كل مقدور. وتبينوا تحتم طاعته عليهم وانقيادهم له وهم يهابونه ويفزعون من التوقف دون الامثال له والنزول على مشيئه على الفور من غير ريث، فكلما يرد عليهم أمره كان المأمور به مفعولا لا حبس ولا ابطاء. والبلع عبارة عن النشف والاقلاع والامساك. يقال: أقلع المطر، وأقلعت الحمى. وغيض الماء من غاضه

(156) الكشاف ج 3ص 3.

(157) ينظر دلائل الاعجاز ص 69، 70

(158) هود: 44

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت