الأكبر في بحث البلاغة القرآنية كان يرتكز على خبرة بأحوال النفس وشئونها.
ولا أزعم أن هذه الاشارات تفى الغرض في هذا الباب لأنه باب مهم وخصيب، كما لا أزعم أن اشاراته الأخرى في الموضوعات المختلفة تكشف كل زوايا الموضوعات التى أشرت اليها، وانما أؤكد أن هذه الاشارات تصلح أن تكون أسسا قوية غير مفتعلة لكل دراسة جادة تعنى بهذا الموضوع أو ذاك، خذ مثلا لذلك حديثه عن الترتيب النفسى للآيات في قوله تعالى: { «أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتى عَلى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ. أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ. أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ. بَلى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ» } [11] .
يقول الزمخشرى: «فان قلت: هلا قرن الجواب بما هو جواب له وهو قوله: {«لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي» } ولم يفصل بينهما بآية؟ قلت: لا يخلو اما أن يقدم على أخرى القرائن فيفرق بينهن، واما أن تؤخر القرينة الوسطى فلم يحسن الأول لما فيه من تبتير النظم بالجمع بين القرائن، وأما الثانى فلما فيه من النقض بين الترتيب وهو التحسر على التفريط في الطاعة ثم التعلل بفقد الهداية ثم تمنى الرجعة فكان الصواب ما جاء عليه، وهو أنه حكى أقوال النفس على ترتيبها ونظمها، ثم أجاب عن بعضها على ما اقتضى الجواب» واقرأ قوله في تفسير قيد الجملة في قوله تعالى في عدة المطلقة: { «وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ» } [12] يقول كاشفا ما تنطوى عليه نفوس النساء من الرغبة الجموح في الرجل والجنس ومفسرا هذا القيد في ظل هذا الفهم: «فى ذكر الأنفس تهيج لهن على التربص وزيادة بعث لأن فيه ما يستنكفن منه فيحملهن على أن يتربصن، وذلك أن أنفس النساء طوامح إلى الرجال فأمرن أن يقمعن أنفسهن ويغلبنها على الطموح ويجبرنها على التربص» .
(11) الزمر: 5956
(12) البقرة: 228