قوله تعالى: { «يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ» } [66] ، وقولنا: عالم يغترف منه الناس، اذ كون النقض والاغتراف من لوازم الحبل والبحر أمرا مشهورا، وتشبيه العهد بالحبل والعالم بالبحر تشبيه كذلك مستفيض، وليس الأمر كذلك في تشبيه القلوب بالأوانى فانه انما يفهم من ايقاع الختم عليها» [67] .
وهذا أصل قوى ودقيق كما قلت، والأولى أن تكون الآية من قبيل التبعية، كما يقول الأئمة، الا أن هذا شىء والقول بأن كلام الزمخشرى يفيده شىء آخر، ولعل الخلط بين ما قاله الزمخشرى في هذه الآية، وما ينبغى أن يقوله فيها، هو الذى رجح عند الائمة تفسيره على وجه الاستعارة المكنية.
أما مراده بالتمثيل في الآية فقد بينه سعد الدين، وهو مصيب، حيث يقول: «أما وجه التمثيل فهو أن يشبه حال القلوب والأسماع والأبصار بحال أشياء مخلوقة للانتفاع بها مع المنع عن ذلك بطريق الختم والتغطية، ثم استعمل في المشبه اللفظ الدال على المشبه به» [68]
أى التمثيل هنا استعارة تمثيلية.
على أننا نجد المجاز الذى يقسم إلى هذين القسمين مجازا ضيقا، لا يتسع إلى كل ألوان المجاز، وقد ذكر هو نفسه فنونا من المجاز المرسل، وقابلها بالاستعارة وبسط الكلام في المجاز الحكمى، ومع وضوح هذين النوعين من المجاز في بلاغته فقد أغفلهما حين قسم المجاز إلى استعارة، وتمثيل، ومن المعروف أن الذى ينقسم إلى الاستعارة والتمثيل هو الاستعارة نفسها، فانها تنقسم إلى استعارة تمثيلية، وغير تمثيلية، وهذه تشمل التصريحية والمكنية.
وسوف أعرض الآن حديثه في قسمى المجاز اللذين ذكرتهما، ثم حديثه في باقى أنواعه:
(66) البقرة: 27
(67) ينظر حاشية الشهاب ج 1ص 281
(68) ينظر حاشية سعد الدين نفس الصفحة.