فهرس الكتاب
الخطأ فيه من أن يبادره به صريحا، مع مراعاة حسن الأدب بترك المجاهرة، ألا ترى إلى الحكماء وكيف أوصوا في سياسة الولد إذا وجدت منه هنة منكرة أن يعرض له بانكارها عليه ولا يصرح، وأن تحكى له حكاية ملاحظة لحاله إذا تأملها استسمج صاحب الحكاية، فاستسمج حال نفسه، وذلك أزجر له لأنه ينصب ذلك مثالا لحالته، ومقياسا لشأنه، فيتصور قبح ما وجد منه بصورة مكشوفة، مع أنه أصون لما بين الوالد والولد من حجاب الحشمة، فان قلت: فلم كان ذلك على وجه التحاكم اليه؟ قلت: ليحكم بما حكم به من قوله: { «لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعَاجِهِ» } ، حتى يكون محجوجا بحكمه ومعترفا على نفسه بظلمه» [138] .
وهذا التحليل يتناول التمثيل الذى هو فن الحركة والأداء، يقول سعد الدين في شرحه للكشاف: «كان تحاكمهم في نفسه تمثيلا، يعنى أنه في الأفعال بمنزلة الاستعارة التمثيلية في الأقوال، حيث لم يكن المقصود من تحاكمهم ما هو ظاهر الحال» [139] .
6 -ويقول في قوله تعالى: { «قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ» } [140] : «وهذا كلام وارد على سبيل الفرض والتمثيل لغرض، وهو المبالغة في نفى الولد، والاطناب فيه، وألا يترك الناطق به شبهة الا مضمحلة، مع الترجمة عن نفسه بثبات القدم في باب التوحيد ونحو هذه الطريقة قول سعيد بن جبير رحمه الله للحجاج حين قال له: أما والله لأبدلنك بالدنيا نارا تلظى: لو عرفت أن ذلك اليك ما عبدت الها غيرك» [141] .
ومن غير ريب أن التمثيل في هذه الأنواع التى ذكرناها ليس تمثيلا بالمعنى الاصطلاحى الذى حدده الزمخشرى، وجعله قسما من المجاز،
(138) الكشاف ج 4ص 63.
(139) شرح الكشاف للعلامة سعد الدين ورقة 37مخطوط.
(140) الزخرف: 81
(141) الكشاف ج 3ص 209