مفهوم المتأخرين أما طريقة التخييل فهى أقرب إلى فرض الأشياء وتخيلها كالمحاورة بين الجدار والوتد، ونداء الأرض واجابتها، ومقاولة جهنم، وشكاية البيت، والوحى اليه، وقد يكون منه القصص على ألسنة الحيوان، فهو باب الخيال الطليق الحر، الذى يبعد في التحليق عن الخيال المحدود في صور الاستعارة، وقد لحظ هذا بعض القدامى، قال الشهاب تعليقا على قول البيضاوى الملخص من كلام الكشاف في قوله تعالى: { «وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ» } [169] : «والمراد بالتخييل ما يقابل التصديق كما في قولهم: الناس للتخييل أطوع منهم للتصديق، وهو ما سلف من المقدمات المتخيلة، لا تخييل الاستعارة بالكناية، كما يوهمه تشبيهه بقولهم: شابت لمة الليل، فما قيل في كتب القوم ان القياسات الشعرية وان أفادت الترغيب والترهيب لا ينبغى للنبى صلّى الله عليه وسلم لأن مدارها على الكذب، ولذا قيل: أعذبه أكذبه» (انتهى كلام الشهاب) .
والزمخشرى ينبه إلى أن التمثيل كما يكون بالأمور المحققة يكون كذلك بالأمور المتخيلة المفروضة، وقد سبق أن ذكر في التشبيه نوعا سماه التشبيه التخييلى، وقلنا انه يقصد به ما كان المشبه به فيه خياليا محضا ك: «رءوس الشياطين» ولعله أراد هنا التمثيل التخييلى أى ما تكون صورة المشبه به المستعارة خيالية مفروضة.
يقول الزمخشرى في قوله تعالى: { «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا» } [170] : «والثانى أن ما كلفه الانسان بلغ من عظمه وثقل محمله أنه عرض على أعظم ما خلق الله من الأجرام وأقواه وأشده أن يتحمله ويستقل به، فأبى حمله والاستقلال به، وأشفق منه، وحمله الانسان على ضعفه ورخاوة قوته {«إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا» } ، حيث حمل الأمانة ثم لم يف بها، وضمنها
(169) الزمر: 67
(170) الأحزاب: 72