فهرس الكتاب

الصفحة 546 من 744

يقول الزمخشرى في بيان طريقة الكناية وأنها شعبة من شعب البلاغة وأن فائدتها الايجاز، يقول في قوله تعالى: { «فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ» } [293] : «فان قلت: ما معنى اشتراطه في اتقاء النار اتيانهم بسورة من مثله؟ قلت: انهم إذا لم يأتوا بها وتبين عجزهم عن المعارضة صح عندهم صدق رسول الله صلّى الله عليه وسلم، واذا صح عندهم صدقه ثم لزموا العناد، ولم ينقادوا ولم يشايعوا استوجبوا العقاب بالنار، فقيل لهم: ان استبنتم العجز فاتركوا العناد، فوضع {«فَاتَّقُوا النَّارَ» } موضعه لأن اتقاء العناد لصيقه وضميمه ترك العناد، من حيث انه من نتائجه لأن من اتقى النار ترك المعاندة، ونظيره أن يقول الملك لحشمه: ان أردتم الكرامة عندى فاحذروا سخطى، يريد:

فأطيعونى واتبعوا أمرى وافعلوا ما هو نتيجة حذر السخط، وهو من باب الكناية التى هى شعبة من شعب البلاغة، وفائدته الايجاز الذى هو من حلية القرآن، وبتهويل شأن العناد بانابة اتقاء النار منابه، وابرازه في صورته، مستتبعا ذلك بتهويل صفة النار وتفظيع أمرها» [294]

وهذا الكلام يفيد أن الانتقال في الكناية من الملزوم إلى اللازم، لأن اتقاء النار هو المذكور والمراد به ترك المعاندة، وترك المعاندة لازم لاتقاء النار.

ويقول في قوله تعالى: { «كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ» } [295] : «فان قلت: قد تبين أمر الهمزة وأنها لانكار الفعل، والايذان باستحالته في نفسه، أو لقوة الصارف عنه، فما تقول في «كيف» حيث كان انكارا للحال التى يقع عليها كفرهم؟ قلت: حال الشيء تابعة لذاته، فاذا امتنع ثبوت الذات تبعه امتناع ثبوت الحال، فكان انكار حال الكفر لأنها تبيع ذات الكفر، ورديفها انكارا لذات

(293) البقرة: 24

(294) الكشاف ج 1ص 77

(295) البقرة: 28

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت