وقد يكون الزمخشرى أكبر أبناء أبيه لأنه يذكر شبابه وضعف أطفاله، والزمخشرى فتى يكتب للأمراء في شأن أبيه فليس طفلا كاخوته [9] وقد ذكر أن والده مات وهو شاب، وأن مما قراه حسرة وأسى أنه لم يكن في صحبة والده في تلك اللحظات التى فارق فيها الدنيا، والتى كان ظمأ فيها للقاء والده، ولعل الزمخشرى كان مشغولا في طلب العلم، فقد كان كثير الفراق لوالده، وكان يشكو هذا الفراق المتقطع فما باله بهذا الفراق الدائم.
وقد كنت أشكو فراقّا قبل منقطعا ... وكيف لى بعده بالعيش منتفع
ونستطيع أن نتصور من شعر الزمخشرى أن والده كان رجلا صافى النفس، نفى السريرة، مهذب اللفظ، مفطورا على الخير، منصرفا إلى ما فيه رضا الله، راغبا عن الدنيا، بكاء، كثير التذكر، كريما، فاضلا ماجدا.
يقول الزمخشرى في رثائه:
فقدته فاضلا فاضت مآثره ... العلم والأدب المأثور والورع
أخا طباع مصفّاة مناسبة ... ماء السّحابة ما في بعضها طبع
وذا حقائق لا في لحظة طلب ... لغير رشد ولا في لفظه قذع
لم يأل ما عاش جدّا في تقاه يرى ... إنّ الحريص على دنياه منخدع [10]
وكانت أمه صالحة تقية، وما يحكيه في سبب سقوط رجله يشعرنا بأنها كانت رقيقة القلب مهذبة الطبع، وقد بكاها في شعره، وتسلى بأنها في رضوان الله ورحمته، فهى تناديه من عالمها وتقول:
أبنيّ إنّى في الجنان مقيمة ... أختال بين ظليلة الأفياء
حرّ الجحيم رضا الرّحيم أعاذنى ... منه وأنزلنى مع الصّلحاء
(9) ديوان الزمخشرى ورقة 97.
(10) ديوان الزمخشرى ورقة 72.