فهرس الكتاب
بجواز حمل الصورة الواحدة على الكناية وعلى المجاز ولا ضير في ذلك ما دامت تختلف الحيثية التى ينظر اليها في وجه الدلالة، وقد رأيناهم يرددون الصورة بين المجاز المرسل والاستعارة بحسب مراعاة وجه التجوّز، وعلينا أن نذكر الفرق بين غل اليد وبسطها في هذه الآية وغل اليد وبسطها فى: { «وَقَالَتِ الْيَهُودُ» } ، فالغل والبسط هنا ممكن لأن الخطاب خطاب لمن له يد تغل وتبسط، والغل والبسط هناك يستحيل أن يكون، وكان اعتبار الآية هنا من باب الكناية أمرا لا اعتراض عليه. وليس في حاجة إلى التحليل المذكور في الآيات السابقة. الا أن الزمخشرى قد أعرض فيها عن دلالة اللزوم إلى دلالة المشابهة. وليس هذا من اطلاق التمثيل على الكناية كما ذكرنا في بحث التمثيل، لأن الصورة التى ذكرناها هناك لا وجه فيها للمشابهة، كما أنه لا ضير في أن يكون هذا تمثيلا لوجود المشابهة كما قلنا، ولأن المعنى الحقيقى وان كان ممكنا الا أن هنا قرينة مانعة من ارادته، وهى كون المخاطب غير مغلول اليد ولا مبسوطها بالمعنى الحقيقى فلا محل للنهى، الا أن يكون الكلام على المجاز.
وقد توهم العلامة السبكى أن كلام الزمخشرى في آية: { «وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ» } يوهم أن الكناية قد تكون مجازا، وأنه إذا أمكنت الحقيقة تصح الكناية والمجاز جميعا بحسب الارادة، وأن الزمخشرى قد صرح بذلك في قوله تعالى: { «وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ» } [328] ، فقال: «الكناية أن تذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له، والتعريض أن تذكر شيئا تدل به على شىء لم تذكره» ، ثم قال السبكى: «وهذا مخالف لما يقتضيه كلام غيره» [329]
(328) البقرة: 235
(329) شروح التلخيص (عروس الأفراح) ج 4ص 241 وما بعدها بتصرف.