فهرس الكتاب

الصفحة 560 من 744

تجاوزت في هذا التعبير طور الحقيقة. وانتقلت إلى طور آخر كانت فيه ذات مدلول مجازى جديد، ثم انتقلت من هذا المعنى المجازى الجديد إلى معنى مجازى آخر. وهذا لا يمنع أن تظل الكلمة دالة على المعنى الأصلى الذى تفرعت عنه هذه المعانى، ولو نظرنا إلى كلامه هنا والى حديثه عن المجاز والكناية اللذين يصبحان في شهرة الحقيقة ولا يلتفت فيهما إلى المعانى الأصلية، لقلنا: ان هذه النظرات كانت احساسا واضحا بضرورة بحث تطور الدلالات في الألفاظ. وقد كانت هذه الارهاصات جديرة بأن تكون بذورا لدراسة لغوية شاملة ترصد فيها معانى الكلمات، وما يعتريها من التغيير في تاريخها البعيد.

وما أدرانا فلعل كثيرا من الكلمات التى نستعملها في معان نعتقد أنها فيها حقيقة لغوية تكون من هذا القبيل من المجاز الذى نسيت حقائقه، وماتت، وابتلعها التاريخ الطويل المجهول لهذه اللغة. ألسنا ننكر كثيرا من ألفاظها التى نبا عنها الذوق لما أهلمها التاريخ أو نبا عنها الذوق فأهملها التاريخ، وليس انكارنا لها مانعا من أن تكون لغة أدبية يوما ما، لها تأثيرها، وايحاؤها في فترة من فترات التاريخ اللغوى، بل قد تكون هذه الألفاظ مرت بزمن ازدهرت فيه وكانت أكثر تداولا في هذا الزمن المجهول.

لم نستبعد اذن أن تكون كلمات كثيرة من التى نستعملها الآن وتشير معاجمنا إلى معانيها الحقيقية قد انتقلت من معانيها الأولى إلى معان أخرى، ثم نسى هذا النقل وصارت حقيقة فيما كانت فيه مجازا؟

ولعل هذا يكون قد تكرر بالنسبة للكلمة الواحدة، وكل هذه ضروب من الظن، لا أستطيع الجزم بقبولها أو رفضها، وانما أردت بكل هذا أن أقول ان هذه اللفتات التى أشار اليها الزمخشرى في تطور دلالات الألفاظ المجازية أوحت اليه بها عبقرية لغوية نادرة تحس بأبعاد الدرس اللغوى وآفاقه، وما يجب على الدارس أن يلتفت اليه في هذه الدراسة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت