قال الزمخشرى: «وهو من معاريض الكلام التى يتقى بها الكذب مع التوصل إلى الغرض كقول إبراهيم: هذه أختى، وانى سقيم» [366]
ولما نظر إبراهيم عليه السلام في علم النجوم وقال لقومه: انى سقيم. فهموا منه أنه مشارف للاصابة بالطاعون، وكان القوم مصابين به، ففروا منه، ويقول الزمخشرى في بيان قصده عليه السلام: والذى قاله إبراهيم عليه السلام معراض من الكلام، ولقد نوى به أن من في عنقه الموت سقيم، ومنه المثل: كفى بالسلامة داء، وقول لبيد:
فدعوت ربّى بالسلامة جاهدا ... ليصحّنى فإذا السلامة داء
وقد مات رجل فجأة فالتفت عليه الناس، وقالوا: مات وهو صحيح، فقال أعرابى: أصحيح من الموت في عنقه»؟ [367]
ولابراهيم عليه السلام تعريض آخر لما سأله قومه: أأنت فعلت هذا بآلهتنا؟ قال عليه السلام { «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا» } [368]
يقول الزمخشرى: «هذا من معاريض الكلام، ولطائف هذا النوع لا يتغلغل فيها الا أذهان الراضة من علماء المعانى، والقول فيه أن قصد إبراهيم صلوات الله عليه لم يكن إلى أن ينسب الفعل الصادر عنه إلى الصنم. وانما قصد تقريره لنفسه، واثباته لها، على أسلوب تعريضى يبلغ فيه غرضه من الزامهم الحجة وتبكيتهم، وهذا كما لو قال لك صاحبك وقد كتبت كتابا بخط رشيق وأنت شهير بحسن الخط: أأنت كتبت هذا؟ وصاحبك أمى لا يحسن الخط، ولا يقدر الا على خرمشة فاسدة! فقلت له: بل كتبته أنت، كان قصدك بهذا الجواب تقريره لك مع الاستهزاء به، لا نفيه عنك واثباته للأمى أو المخرمش، لأن اثباته والأمر دائر بينكما للعاجز منكما استهزاء به واثبات للقادر» [369]
وقد كان الزمخشرى يلمح ما في صورة التمثيل من التعريض،
(366) الكشاف ج 2ص 574
(367) الكشاف ج 4ص 38
(368) الأنبياء: 63
(369) الكشاف ج 3ص 98