فهرس الكتاب

الصفحة 568 من 744

ويعتبر المعانى التعريضية فيها من الرموز البالغة في اللطف والخفاء، وأنه لا يتنبه اليها الا القليل من ذوى الفطنة من العلماء.

يقول في قوله تعالى: { «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ، كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا» } [370] :

«وفى طى هذين التمثيلين تعريض بأمى المؤمنين المذكورتين في أول السورة، وما فرط منهما من التظاهر على رسول الله صلّى الله عليه وسلم بما كره، وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشده، لما في التمثيل من ذكر الكفر، ونحوه في التغليظ قوله تعالى: {«وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ» } [371] وإشارة إلى أن من حقهما أن تكونا في الاخلاص والكمال فيه كمثل هاتين المؤمنتين، ولا تتكلا على أنهما زوجا رسول الله، فان ذلك الفضل لا ينفعهما الا مع كونهما مخلصتين، والتعريض بحفصة أرجح، لأن امرأة لوط أفشت عليه كما أفشت حفصة على رسول الله، وأسرار التنزيل ورموزه في كل باب بالغة من اللطف والخفاء حدا يدق عن تفطن العلماء ويزل عن تبصرهم» [372]

قلت: ان الزمخشرى في تعريفه للتعريض أثار مسألة هامة لدى البلاغيين، وهى وجه الدلالة على المعنى التعريضى. وكان مما لا يقبله العقل عند العلامة سعد الدين أن يدل الكلام على معنى دلالة صحيحة وهو ليس حقيقة فيه ولا مجازا. والحق أن الزمخشرى قرر أن الكلام الذى يلوح منه معنى تعريضى قد يكون حقيقة كما ذكرنا في الأمثلة السابقة فهى حقائق في معانيها، والمراد منها، وان عرضت بما ذكر، وقد يكون التعريض من الأمثال المضروبة، كما في آية امرأة نوح وامرأة لوط وامرأة فرعون، وكما في قصة داود عليه السلام حين دخل عليه الخصم ففزع منهم. والزمخشرى يقول تعقيبا على هذا التمثيل، أو هذه القصة: «فان قلت: لم جاءت على طريقة التمثيل والتعريض دون التصريح؟ قلت: لكونها أبلغ في التوبيخ من قبل أن التأمل إذا أداه

(370) التحريم: 10

(371) آل عمران: 97

(372) الكشاف ج 4ص 458

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت