أما علم البديع فهو في رأى الزمخشرى تابع للمعانى والبيان، وليس علما قائما بذاته» [7] انتهى كلامهم.
ولست أوافق الأستاذ الجوينى في تصوره لمرجع المزية عند عبد القاهر، اذ أنها لا ترجع إلى المعنى كما يرى، ولا ترجع إلى اللفظ كذلك، وانما ترجع إلى النظم، وهذا أمر يفهمه المبتدءون في قراءة كتب عبد القاهر، وأما أن الزمخشرى حصر بلاغة القرآن في علمين هما المعانى والبيان فذلك حق، وليس فيه ابعاد للصنعة البديعية، لأن علمى المعانى والبيان لم يتحددا في بلاغة الكشاف بالصورة التى يتصورها المتأخرون حين حصروا كلا منهما في أبواب معينة.
ولست أوافقه كذلك في أن الزمخشرى لم يذكر الا ثلاثة أنواع من ضروب البديع، وسوف أعرض ما ذكره منها وهو يزيد على ثلاثة أضعاف ما ذكر الأستاذ الجوينى.
وقد يكون من أهم ما دفع هؤلاء جميعا إلى القول بأن ألوان البديع لا تدخل في بلاغة القرآن عند الزمخشرى: أنهم وقفوا عند كلامه في التجانس، وأخذوا منه ظاهره. فالزمخشرى يقول في قوله تعالى:
{ «وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ» } [8]
بعد ما ذكر ما فيها من نكت وأسرار: «ولما ذكرنا من المعانى والنكت استفصح علماء البيان هذه الآية، ورقصوا لها رءوسهم لا لتجانس الكلمتين، وهما قوله: «ابلعى» و «أقلعى» . وذلك وان كان لا يخلى الكلام من حسن فهو كغير الملتفت اليه بازاء تلك المحاسن التى هى اللب وما عداها قشور» فقد يتوهم أن الزمخشرى بهذا يضع من مكانة ألوان البديع في الاعجاز القرآنى، والحق أننا لا نسمع منه هذه النغمة الا في فن الجناس، وذلك راجع إلى انصراف اهتمام الأدباء والشعراء في عصره إلى هذا الفن، حتى صار صناعة ثقيلة متكلفة، فهو بهذا
(7) الزمخشرى للأستاذ الدكتور أحمد الحوفى
(8) هود: 44