يشير إلى أن ما جاء في القرآن من هذا اللون الذى فتنتم به لم يكن هو وحده سر بلاغته، كما جعلتموه سر بلاغتكم، ولهذا يقول في الجناس في آية: { «وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ» } [9] : «من جنس الكلام الذى سماه المحدثون البديع. وهو من محاسن الكلام الذى يتعلق باللفظ بشرط أن يجيء مطبوعا، أو يضعه عالم بجوهر الكلام يحفظ معه صحة المعنى، وسداده» ، ثم يقول في موقعه من القرآن: «ولقد جاء هنا زائدا على الصحة فحسن وبدع لفظا، ومعنى، ألا ترى أنه لو وضع مكان {«بِنَبَإٍ» }
بخبر لكان المعنى صحيحا وهو كما جاء أصح لما فى { «النَّبَإِ» } من الزيادة التى يطابقها وصف الحال».
والجناس وان كان أقرب ألوان البديع إلى الحسن اللفظى لكنه في القرآن من محاسن الألفاظ والمعانى كما يقول.
وقد يكون من أهم ما دفع هؤلاء جميعا إلى القول بأن ألوان البديع لا تدخل في بلاغة القرآن عند عبد القاهر، أنهم رأوه قد أهمل ألوان البديع، ولم يبسط القول فيها. كما فعل في ألوان البيان، وصور النظم، فظن أكثر الباحثين أنه غير ملتفت اليها، لأنها لا تدخل في الاعجاز البلاغى للقرآن، وهذا وهم لأن عبد القاهر أشار إلى أن الاستعارة داخلة في الاعجاز وهى من البديع كما يقول، وأشار إلى أن المزاوجة من صور النظم وأنه يبلغ الغاية في دقته وتماسكه في صورها، ومثلها الجمع والتقسيم. وأشار إلى أن سلطان المزية لا يعظم في شىء كعظمه في باب المزاوجة، والجمع والتقسيم، وبعض صور التشبيه إلى آخر ما ذكر. وقد حدد المرحوم الشيخ سليمان نوار مذهب عبد القاهر في البديع، وكان رحمه الله قارئا فطنا كتب في مسائل البلاغة فصولا جادة تجتهد في تنقية البحث البلاغى واستقامة منهجه، وقد كتبت هذه البحوث في أوائل الثلاثينات، فهى من البحوث الرائدة كما نرى. يقول طيب الله ثراه: «أن بعض ما عده العلماء من علم
(9) النمل: 22