فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 744

كأنكم لم تسمعوا أنّ من له ... عيال شقىّ دهره ليس يفلح

قبيح بمثلى والبنون كما أرى ... جنود فساد ليس في الألف مصلح

تصدّ لنسل مثلهم ... يولد فعال القبائح أقبح

إذا ارتكب الابن الخليع فضيحة ... فذاك لعمر الله للأب أفضح

وكلّ صنيع ليس للنّفس جالبا ... وجرّ وجوه الضرّ فالترك أروح [15]

وليس الزمخشرى بدعا في هذا، فان كثيرا من الأفذاذ اختاروا هذه الطريقة ومنهم الكسائى والطبرى وأبو حيان التوحيدى. ولعل أهم سبب يكمن وراء هذا السلوك هو انصراف همتهم إلى طلب العلم، أو اغناء نفوسهم به، ووجدان لذتهم في البحث والتحصيل، وقد أشار الزمخشرى إلى هذا في قوله:

سهرى لتنقيح العلوم ألذّ لى ... من وصل غانية وطيب عناق

وتمايلى طربا لحلّ عويصة ... أشهى وأحلى من مدامة ساق

وليس غريبا أن ينصرف عن شواغل الصاحبة والولد من أخلص في الطلب وذاق حلاوة التحصيل.

ولم يكن الزمخشرى صاحب مال يشغله وربما لا يكون صاحب مال يكفى حاجته في معيشته، وكم نظر في كفه فما وجد غير الأنامل:

غنىّ من الآداب لكنّني إذا ... نظرت فما في الكف غير الأنامل

فانصرف الزمخشرى إلى العلم وهو رجل خفيف الحاز لا مال ولا ولد، فانهمك في التحصيل، وأخلص في الطلب، وشغل بالعلم في ليله ونهاره، وفى يقظته ومنامه. فقد روى أنه سئل في المنام عن اشتقاق المعاداة فقال: «لأن هذا في عدوة ذلك في عدوة كما قيل:

المخاصمة والمشاقة، لأن هذا في خصم أى في جانب، وذلك في خصم، وهذا في شق وذلك في شق» [16] .

(15) ديوان الزمخشرى ورقة 26.

(16) ينظر الكشاف ج 2ص 160.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت