فهرس الكتاب
بحث لا بد من التنبيه له وهو أنه لا ينحصر فائدة «ان» في تأكيد الحكم نفيا لشك، أو رد انكار، ولا يجب في كل كلام مؤكد أن يكون الغرض منه رد انكار محقق أو مقدر، وكذا المجرد عن التأكيد ثم ينقل كلام الجرجانى في مواقع «ان» ، ثم يقول: وقد يترك تأكيد الحكم لمنكر لأن نفس المتكلم لا تساعده على تأكيده لكونه غير معتقد له أو لأنه لا يروج منه، ولا يتقبل على لفظ التوكيد. ويؤكد الحكم المسلم لصدق الرغبة فيه والرواج. قال صاحب الكشاف في قوله تعالى: { «وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ» } [97] :
«ليس ما خاطبوا به المؤمنين جديرا بأقوى الكلامين وأوكدهما لأنهم في ادعاء حدوث الايمان منهم، لا في ادعاء أنهم أوحديون فيه، اما لأن أنفسهم لا تساعدهم عليه لعدم الباعث والمحرك من العقائد، واما لأنه لا يروج عنهم لو قالوه على لفظ التوكيد والمبالغة، وأما مخاطبة اخوانهم في الاخبار عن أنفسهم بالثبات على اليهودية، فهم فيه على صدق رغبة ووفور نشاط، وهو رائج عنهم متقبل منهم، فكان مظنة للتحقيق ومئنة للتوكيد» [98] .
وحين ذكر الخطيب السر في بيان المسند اليه أى تعقيبه بعطف البيان، وحدد ذلك وحصره في ايضاح المسند اليه نحو قولك: قدم صديقك خالد، ورأى سعد الدين أن هذه النكتة لا تتحقق في كثير من صور بيان المسند اليه فهى غير شاملة لهذه الخصوصية ولا مفسرة لها تفسيرا بينا وشافيا. يقول سعد الدين: «وفائدة عطف البيان لا تنحصر في الايضاح كما ذكر صاحب الكشاف أن البيت الحرام في قوله تعالى:
{ «جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ» } [99] عطف بيان جىء به للمدح لا للايضاح كما تجىء الصفة لذلك، وذكر في قوله تعالى:
{أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ»} [100] أنه عطف بيان ل «عاد» وفائدته وان كان البيان حاصلا بدونه أن يوسموا بهذه الدعوة وسما وتجعل فيهم أمرا محققا لا شبهة فيه بوجه من الوجوه» [101] .
(97) البقرة: 14
(98) المطول ص 53
(99) المائدة: 97
(100) هود: 60
(101) المطول ص 96، 97