واذا كان هذا بيانا لعطف القصة على القصة فلا يستشهد به على جواز عطف الانشاء على الخبر، وبالعكس، بل انه جدير بأن يستشهد به على عدم صحة هذا العطف، لأنه يقول: ليس المعتمد بالعطف هو الأمر حتى يطلب له مشاكل من أمر أو نهى يعطف عليه، ومفهوم هذا الكلام أنه ولو كان المعتمد بالعطف هو الأمر لطلب له مشاكل من أمر أو نهى يعطف عليه، وقد قلت في دراسة الفصل والوصل: ان الزمخشرى لا يمنع عطف الانشاء على الخبر ما دام المعتمد بالعطف هو مضمون الجمل لا الألفاظ، وحينئذ لا تطلب المشاكلة بين الألفاظ، وانما تطلب المناسبة بين المعانى وهذا موضع دقيق يحسن تأمله. ثم هو يتسع بتأمل صاحب البصيرة لأنه بحث في روابط الفقر ومعاقد المعانى أو هو من البحوث النادرة في تراث العربية.
5 -افادته من تحليلات الزمخشرى ونسجه على منوالها في شرحه واضافاته إلى كلام الخطيب، فحين يذكر الخطيب قول ضابئ ابن الحارثى: «فانى وقيار بها لغريب» مثالا لحذف المسند، يضيف سعد الدين بيان السر في تقديم المسند اليه الذى هو «قيار» على خبر «ان» الذى هو غريب، ويذكر في بيان هذا السر أن الشاعر «قصد التسوية بينهما في التحسر على الاغتراب، كأنه أثر في غير ذوى العقول أيضا، بيان ذلك أنه لو قيل: انى لغريب وقيار، لجاز أن يتوهم أن له مزية على «قيار» في التأثر بالغربة، لأن ثبوت الحكم أولا أقوى، فقدمه ليتأتى الاخبار عنهما دفعة بحسب الظاهر، تنبيها على أن قيارا مع أنه ليس من ذوى العقول قد ساوى العقلاء في استحقاق الاخبار عنه بالاغتراب قصدا إلى التحسر» [109] .
ثم بيّن لنا أن هذا السر الذى ذكره في تقديم المسند اليه قد أدركه مما ذكره الزمخشرى في قوله تعالى: { «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارى» } [110] يقول: «وهذا الوجه هو الذى قطع
(109) المطول ص 140.
(110) المائدة: 69