وظاهر لنا أن ما أخذه من الزمخشرى لم يكن مشهورا عند غيره، وان كان معروفا في مسائل العلم وأصوله، ولكنه على كل حال لم تذكر فيه النصوص وتحلل تحليلا بلاغيا دقيقا كما تذكر وتحلل في كتاب الكشاف، وأن ما أغفل فيه حديث الزمخشرى كان مشهورا عند غيره.
نعم ان للزمخشرى كلاما في تحليل صور البيان لم يصل اليه أحد قبله، وله في ميزان الدراسة البلاغية المتذوقة وزن راجح، وقد أغفله ابن الأثير، وذلك راجع في نظرى إلى أن أكثر دوافع التحليل والبحث لمثل هذه الصور يكمن في محاولة التنزيه وتأويل النصوص المشتبهة، وهذه قضية ابتعد عنها ابن الأثير فلم يكن في حاجة إلى ذكر نصوصها وتحليلاتها.
ودونك بعضا من هذه المباحث التى أفادها من الكشاف:
يقول ابن الأثير في القيمة البلاغية للالتفات: «وهذا النوع وما يليه هو خلاصة علم البيان التى حولها يدندن، واليها تستند البلاغة، وعنها يعنعن» .
ويزعم أن الالتفات فن تختص به اللغة العربية دون غيرها من اللغات [2] .
ثم يحاول ابن الأثير أن يجد علة وسرا لهذا الحسن الكامن في هذه الطريقة، ويرفض في هذا كلام البلاغيين حيث يقولون: انه من عادة العرب وافتنانهم في كلامهم، ويسمى مثل هذا التعليل بعكاز الأعمى، وهو على حق، فان بيان أسرار البلاغة لا يكتفى فيها بهذا القول اذ أننا محتاجون دائما إلى معرفة السبب الذى قصدت العرب ذلك من أجله حتى صار من عادتهم.
(2) ينظر المثل السائر ج 2ص 170