فهرس الكتاب

الصفحة 638 من 744

ومن الواضح أن الزمخشرى ذكر القيمة البلاغية لهذا الفن وسر تأثيره وأفاض في هذا، ولكن ابن الأثير حاول أن يغمطه هذا الحق، فذكر بعض كلامه، وناقشه فيه، ورفضه، ولكنه لم يلبث أن رجع اليه فأخذ منه تحليلاته الفنية الفذة.

يقول ابن الأثير: «وقال الزمخشرى رحمه الله: ان الرجوع من الغيبة إلى الخطاب انما يستعمل للتفنن في الكلام والانتقال من أسلوب إلى أسلوب تطرية لنشاط السامع، وايقاظا للاصغاء اليه، وليس الأمر كما ذكره الزمخشرى لأن الانتقال في الكلام من أسلوب إلى أسلوب إذا لم يكن الا تطرية لنشاط السامع وايقاظا للاصغاء اليه، فان ذلك دليل على أن السامع يمل من أسلوب واحد فينتقل إلى غيره ليجد نشاطا للاستماع، وهذا قدح في الكلام لا وصف له، لأنه لو كان حسنا لما مل» [3] .

وليس ايقاظ السامع واثارته وتجديد نشاطه دليلا على عيب الكلام وقدحه كما يزعم ابن الأثير، ولم يقف الزمخشرى عند هذه العلة وحدها، بل ذكر أن مواقعه تختص بفوائد، وذكر لها أمثلة وشواهد، وقد أحسن ابن أبى الحديد حين رفض هذا الاعتراض وذكر أن الملال لا يكون الا من الحسن المستعذب، وأنهم يستقبحون قول من يقول: قد مل المحبوس من الحبس، والمضروب من الضرب [4] .

ثم يقول ابن الأثير: «ولو سلمنا إلى الزمخشرى ما ذهب اليه لكان انما يوجد ذلك في الكلام المطول، ونحن نرى الأمر بخلاف ذلك، لأنه قد ورد الانتقال من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة في مواضع كثيرة من القرآن، ويكون مجموع الجانبين مما يبلغ عشرة ألفاظ أو أقل من ذلك» [5] .

(3) المثل السائر ج 2ص 171، 172

(4) ينظر كتاب الفلك الدائر على المثل السائر، ملحق بهذا النبأ ج 4ص 24، 25

(5) المثل السائر ج 2ص 177

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت