ويقول الزمخشرى في هذه الآية: «ثم أبرز الكلام في معرض المناصحة لنفسه وهو يريد مناصحتهم ليتلطف بهم ويداريهم، ولأنه أدخل في امحاض النصح حيث لا يريد لهم الا ما يريد لروحه، ولقد وضع قوله: {«وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي» } مكان قوله: «وما لكم لا تعبدون الذى فطركم» ألا ترى إلى قوله: { «وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» } ولولا أنه قصد ذلك لقال: الذى فطرنى واليه أرجع، وقد ساقه ذلك المساق إلى أن قال:
{ «آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ» } [13] .
ويقول ابن الأثير في قوله تعالى: { «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ، فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ» } [14] :
«فانما قال {«فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» } ولم يقل: فآمنوا بالله وبى، عطفا على قوله: { «إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ» } لتجرى عليه الصفات التى أجريت عليه وليعلم أن الذى وجب الايمان به والاتباع له هو هذا الشخص الموصوف بأنه النبى الأمى الذى يؤمن بالله وبكلماته كائنا من كان، أنا أو غيرى، اظهارا للنصفة وبعدا من التعصب لنفسه» [15] .
ويقول الزمخشرى في هذا: «فان قلت: هلا قيل: آمنوا بالله وبى بعد قوله {«إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا» } ؟ قلت: عدل عن المضمر إلى الاسم الظاهر لتجرى عليه الصفات التى أجريت عليه، ولما في طريقة الالتفات من مزية البلاغة، وليعلم أن الذى وجب الايمان به واتباعه هو هذا الشخص المستقل بأنه النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته كائنا من كان، أنا أو غيرى، اظهارا للنصفة وتفاديا من التعصب لنفسه» [16] .
وقريب من هذا التوافق ما يذكره في قوله تعالى: {«هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ}
(13) الكشاف ج 4ص 8
(14) الأعراف: 158
(15) المثل السائر ج 2ص 182، 183
(16) الكشاف ج 2ص 131