قد مضى، والضرب الثانى ما يستعمل فيه المستقبل للدلالة على حدث يقع في المستقبل، والضرب الأول هو القسم البلاغى الذى يعنى به.
وأمثلته قوله تعالى: { «وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا» } [22] . يقول ابن الأثير:
«فانه انما قال «فتثير» مستقبلا، وما قبله وما بعده ماض لذلك المعنى الذى أشرنا اليه، وهو حكاية الحال التى يقع فيها اثارة الريح السحاب واستحضار تلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الباهرة، وهكذا يفعل بكل فعل فيه نوع تمييز وخصوصية كحال تستغرب أو تهم المخاطب أو غير ذلك ثم يحكى حديث الزبير بن العوام رضى الله عنه الذى أخبر فيه أنه لقى عبيدة بن سعد بن العاص وهو على فرسه وعليه لأمته كاملة لا يرى منه الا عيناه. قال الزبير: «وفى يدى عنزة فأطعن بها في عينيه فوقع وأطأ برجلى على خده حتى خرجت العنزة متعقفة، ثم يقول ابن الأثير: وعلى هذا ورد قول تأبط شرا:
بأنّى قد لقيت الغول تهوى ... بسهب كالصّحيفة صحصحان
فأضربها بلا دهش فخرّت ... صريعا لليدين وللجران
فانه قصد أن يصور لقومه الحال التى تشجع فيها على ضرب الغول كأنه يبصرهم اياها مشاهدة للتعجب من جراءته على ذلك الهول ولو قال «فضربتها» عطفا على الأول، لزالت هذه الفائدة المذكورة» [23] .
وهذا مأخوذ من كلام الزمخشرى في هذه الآية وقد أضاف اليه ابن الأثير حديث الزبير بن العوام وله نظير في كلام الكشاف في موطن آخر وقد أثبتنا هذه النصوص في دراسة المفرد [24] .
(22) فاطر: 9
(23) المثل السائر ج 2ص 187185بتصرف.
(24) ينظر الكشاف ج 3ص 474، 475وهذا البحث في دراسة المفرد.