فهرس الكتاب

الصفحة 644 من 744

أما الضرب الثانى من عطف المستقبل على الماضى فانه يراد به أن ذلك الفعل مستمر الوجود لم يمض، وقد ذكر ابن الأثير شواهده من تحليلات الزمخشرى في الكشاف من ذلك قوله تعالى: { «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً، إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ» } .

يقول ابن الأثير: «ألا ترى كيف عدل عن لفظ الماضى هاهنا إلى المستقبل، فقال: {«فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً» } ولم يقل: فأصبحت عطفا على «أنزل» ، وذلك لافادة بقاء أثر المطر زمانا بعد زمان فانزال الماء مضى وجوده واخضرار الأرض باق لم يمض، وهذا كما نقول:

أنعم علىّ فلان فأروح وأغدو شاكرا له، ولو قلت: فرحت وغدوت شاكرا له، لم يقع ذلك الموقع لأنه يدل على ماض قد كان وانقضى، وهذا موضع حسن ينبغى أن يتأمل» [25] .

ولست أدرى لماذا كان هذا القسم غير بلاغى؟ أليست البلاغة نظرا فيما تنطوى عليه خصائص الألفاظ وأحوالها لابراز معانيها وبيان لطائفها ومطابقتها لسياق الكلام؟ وأ ليس هذا داخلا في أحوال اللفظ التى بها يطابق مقتضى الحال؟ وأ ليس هذا موضعا حسنا ينبغى أن يتأمل كما يقول؟

الحق أن عبد القاهر الجرجانى قد أصاب حين جعل ادراك الخطأ الخفى الذى لا ينتبه اليه الا الخاصة من المثقفين من صميم علوم البلاغة ومن صميم لطائفها وأسرارها، وقد ذكر في هذا بيت المتنبى:

عجبا له حفظ العنان بأنمل ... ما حفظها الأشياء من عاداتها

وقال فيه: «مضى الدهر الطويل ونحن نقرؤه فلا ننكر منه شيئا ولا يقع لنا أن فيه خطأ، ثم بان بآخره أنه قد أخطأ، وذلك أنه كان ينبغى أن يقول: ما حفظ الأشياء من عاداتها، فيضيف المصدر إلى المفعول فلا يذكر الفاعل، ذلك لأن المعنى على أنه ينفى الحفظ عن أنامله جملة

(25) المثل السائر ج 2ص 189وينظر الكشاف ج 3ص 132 والآية من سورة الحج: 63

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت