فان مثل هذا لا يزيل فصاحة الكلام، ولا ينقص من بلاغته، ولهذا فانه لو ترك فيه الالتفات فانه باق على الفصاحة، ولكن الغرض أن خروجه من أسلوب الخطاب إلى الغيبة يزيد في البلاغة ويحسنها، ويكون الخطاب على ما ذكرناه أوقع، وأكشف عن المراد وأرفع، وثانيهما قوله: ان ما قاله الزمخشرى انما يوجد في الكلام المطول والالتفات كما يستعمل في الطويل يستعمل في القصير، وهذا فاسد أيضا، فان الزمخشرى لم يشترط التطويل في حسن الالتفات فينتقض بما ذكره، وانما أراد تحصيل الايقاظ وازدياد النشاط بذكر الالتفات، وهذا حاصل في الكلام سواء أكان طويلا أو قصيرا، فاذن لا وجه لابن الأثير على ما قصده الزمخشرى وانتحاه، ومن العجب أنه شنع فيما أورده على الزمخشرى وقال: كيف ذهب عن معرفته مع احاطته بفن البلاغة والفصاحة، وما درى أن ما قاله خير مما أتى به ابن الأثير، فان ما أراده الزمخشرى معنى يليق بالبلاغة ويزيدها قوة، وما ذكره
ابن الأثير رد إلى عماية، وقول ليس له حاصل، ولا يدرك له نهاية، وما عابه الا لأنه لم يطلع على أغواره، ولا أحاط بكنهه ودقيق أسراره، ولقد صدق من قال:
وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السّقيم [15]
وقد ذكرت أن العلوى لم تكن له وقفات عند صور الالتفات، يستوضح فيها أسراره، وانما كان همه أن يبين موقع الالتفات في الكلام، وذلك مثل قوله في قوله تعالى: { «إِيَّاكَ نَعْبُدُ» } : «فأما الرجوع من الغيبة إلى الخطاب فكقوله تعالى: {«الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» } ثم قال بعد ذلك: { «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» } لأن ما تقدم من قوله: { «الْحَمْدُ لِلَّهِ» } انما هو للغائب، ولو أراد الخطاب لقال: الحمد لك لأنك أنت رب العالمين، وبهذه الطريقة يتكلم في صور الالتفات، وأقصى ما يقوله في فائدته أن ذلك كان للايقاظ والتنشيط كما ذكرنا.
وكانت تحليلات الزمخشرى التى نقلها ابن الأثير تروق العلوى فيذكرها في تحليل بعض صور الالتفات، من ذلك قوله في الالتفات من الفعل الماضى إلى الفعل المضارع في قوله تعالى: { «وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا، كَذَلِكَ النُّشُورُ» } [16] يقول العلوى: «فوسط قوله {«فَتُثِيرُ سَحَابًا» } ، وجاء به على جهة المضارع، والاستقبال بين فعلين ماضيين، وهما قوله: { «أَرْسَلَ» } و { «فَسُقْنَاهُ» } ، والسر في مثل هذا هو أن الفعل المستقبل يوضح الحال ويستحضر تلك الصورة حتى كأن الانسان يشاهدها وليس كذلك الفعل الماضى إذا عطف لأنه لا يعطى هذا المعنى، ولا يدل عليه، فاذا قال: { «فَتُثِيرُ» } على جهة الاستقبال بعد ما مضى قوله { «أَرْسَلَ» }
فانما يكون دالا على حكاية الحال التى تقع فيها اثارة الريح للسحاب، واستحضار لتلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الباهرة، وكذلك
(15) الطراز ج 2ص 133، 134، 135.
(16) فاطر: 9