العطف، وحينئذ عليه أن يذكر وجه العطف وسره، وهو في هذا يفيد من الكشاف ومن كتاب التبيان للشيخ عبد الكريم الزملكانى.
يقول: «وأما مجىء قوله: {«وَقَابِلِ التَّوْبِ» } [28] بالواو مع كونها من صفات الأفعال لأمرين، أما أولا: فلأن المرجع بالمغفرة إلى السلب لأن معنى الغافر هو الذى لا يفعل العقوبة مع الاستحقاق، والمرجع بقبول التوبة إلى الاثبات لأن معناه أنه يقبل العذر والندم، فلما كانا متناقضين بما ذكرناه وجب ورود الواو فصلا بينهما كما ذكرناه في الأول والآخر، وأما ثانيا: فلأنهما وان كانا من صفات الأفعال، لكنه جمع بينهما بالواو لسر لطيف وهو افادة الجمع للمذنب التائب بين رحمتين: بين أن تقبل توبته فيكتبها له طاعة من الطاعات، وأن يجعلها محاءة للذنوب، كأنه لم يذنب، كأنه قال: جامع المغفرة والقبول» [29] .
وهذا السر اللطيف الذى ذكره والذى هو أقرب إلى الروح البلاغية من حديث السلب والايجاب والتناقض المذكور في الوجه الأول. هذا السر هو الذى أخذه من الكشاف، يقول الزمخشرى: «فان قلت: ما بال الواو في قوله: {«وَقَابِلِ التَّوْبِ» } ؟ قلت: فيها نكتة جليلة وهى افادة الجمع للمذنب التائب بين رحمتين: أن تقبل توبته فيكتبها له طاعة، وأن يجعلها محاءة للذنوب كأنه لم يذنب، كأنه قال: جامع المغفرة والقبول» [30] .
ويقول في عطف الثيبات على الأبكار في قوله تعالى: { «ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا» } [31] : «بخلاف ما ذكر من الصفات، وذلك لأجل تناقض البكارة والثيوبة فجىء بالعطف لرفع التناقض بخلاف الاسلام، والايمان، والقنوت، والتوبة، وغيرها من الصفات» [32] .
(28) غافر: 3
(29) الطراز ج 2ص 76
(30) الكشاف ج 4ص 116
(31) التحريم: 5
(32) الطراز ج 2ص 35