فهرس الكتاب

الصفحة 729 من 744

وقوله تعالى: { «فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ» } [108] إلى غير ذلك من الآيات الموهمة بظاهرها للأعضاء والجوارح. ثم يذكر العلوى تأويل المتكلمين لهذه الآيات وتأويل البلاغيين.

أما المتكلمون فانهم يؤولون هذه الظواهر تأويلات وان بعدت حذرا من مخالفة العقل ويعضدون تأويلاتهم بأمور لغوية فيذهبون إلى أن المراد باليد: النعمة، وأن المراد بالعين: العلم إلى غير ذلك، والعلوى لا يرضى بهذه التأويلات ويسم المتكلمين بالجهل بعلوم البيان، فجاءت تأويلاتهم ركيكة يزدريها علماء البلاغة.

ويقول في تأويل علماء البلاغة: «المجرى الثانى وهو الذى عوّل عليه علماء البلاغة، والمحققون من هل البيان، وهى أنها جارية على نعت التخييل فهى في الحقيقة دالة على ما وضعت له في الأصل، لكن معناها غير متحقق، وانما هو أمر خيالى، فاليد مثلا دالة على الجارحة، والعين كذلك، لكن تحقق اليد والعين في حق الله تعالى غير معقول، ولكنه جار على جهة التخييل، كمن يظن شبحا من بعيد أنه رجل فاذا هو حجر، ومن يتخيل سوادا أنه حيوان فاذا هو شجر إلى غير ذلك من الخيالات.

وقد وضّح هذا مرة ثانية بقوله في التفرقة بين تأويل المتكلمين وتأويل البيانيين: فأما علماء البيان فانهم وضعوها على معانيها اللغوية في كونها دالة على هذه الجوارح، لكنهم قالوا: ان الجارحة خيالية غير متحققة، وذلك بخلاف المتكلمين الذين حملوها على تأويلات بعيدة واغتفروا بعدها حذرا من مخالفة الأدلة العقلية.

وأفهم من هذا أن البيانيين يقولون: ان اليد دالة على يد خيالية، وان الوجه دال على وجه خيالى، وان العين دالة على عين خيالية، وان الانسان يتخيل هذه الجوارح كما يتخيل الشبح البعيد انسانا فاذا هو حجر.

(108) الزمر: 56

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت