فهرس الكتاب

الصفحة 730 من 744

واذا كان البيانيون قد أطلقوا هذه الكلمات على معانيها اللغوية الا أنهم قالوا: ان الجارحة هنا خيالية غير متحققة، فكيف يكون اللفظ هنا دالا بظاهره على معنى والمراد غيره على جهة التصوير كما ذكر في التعريف؟ وهل يكون اطلاق لفظ الرجل على رجل متخيل غير حقيقى اطلاقا له على غير معناه؟ ولو سلمنا له بهذا فهل يمكن أن يكون ذلك مراد البيانيين بالتخييل؟

وعلينا أن نذكر الآن ما قاله الزمخشرى في التخييل في الموضع الذى أفاد منه العلوى ما ذكره في فائدته، وأن نتبين كيف كان علماء البيان يفهمون هذه الصور التى جاءت على طريقة التخييل.

يقول في قوله تعالى: { «وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» } [109] :

«والغرض من هذا الكلام إذا أخذته كما هو بجملته، ومجموعه، تصوير عظمته، والتوقيف على كنه جلاله لا غير، من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقة أو جهة مجاز، وكذلك حكم ما يروى أن جبريل جاء إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: «يا أبا القاسم، ان الله يمسك السموات يوم القيامة على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك» ، فضحك رسول الله صلّى الله عليه وسلم تعجبا مما قال، ثم قرأ تصديقا له: { «وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ» } [110] وانما ضحك أفصح العرب صلّى الله عليه وسلم وتعجب، لأنه لم يفهم منه الا ما يفهمه علماء البيان من غير تصور امساك ولا إصبع ولا هز ولا شىء من ذلك، ولكن فهمه وقع أول شىء وآخره على الزبدة والخلاصة التى هى الدلالة على القدرة الباهرة، وأن الأفعال العظام التى تتحير فيها الأفهام والأذهان ولا تكتنهها الأوهام هينة عليه هوانا لا يوصل السامع إلى الوقوف عليه الا اجراء العبارة في مثل هذه الطريقة من التخييل، ولا ترى بابا في علم البيان أدق ولا أرق ولا ألطف من هذا الباب، ولا أنفع وأعون على تعاطى تأويل المشتبهات من كلام الله تعالى في القرآن، وسائر الكتب السماوية،

(109) الزمر: 67

(110) الزمر: 67

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت