فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 744

فما بك غير عصرك من معاب ... وذلك لا يرد به المتاع

رزقت بنى زمان لم يمصّوا ... ثديّا للكرام بها ارتضاع

نفاثات الأذى من كلّ طاغ ... سموم بات ينفثها الشّجاع

سقطت على نويس صغّرتهم ... طباع أراذل بئس الطّباع

فلا بسطوا إلى المعروف كفّا ... ولا طالت لهم في الخير باع

ترى ملكا أشمّ ولا اقتعاد ... لاهل الفضل منه ولا اصطناع

ترى الصّناج تنفعه يداه ... وليس لعالم بهما انتفاع

هم شرّ السّباع فلا ذئاب ... مكلّحة الوجوه ولا ضياع

هم ضرر أناخ بغير نفع ... عليك وربما نفع السّباع

وما فوق الثّرى سجن عظيم ... كجوّ حوله قوم رعاع

وكم كرّرت للعرجيّ قولا ... أضاعونى وأىّ فتى أضاعوا

أيا طير الأباطح خبّرينى ... أما ترتدنّى تلك البقاع

مع الزّهر الكرام بنى لؤىّ ... هم للأرض مجدهم طلاع

صلاب النّبع ما تصبو لمكر ... حبائلهم ولا فيهم خداع

أبو الحسن بن ذى المجدين عيسى ... علىّ ذلك البطل الشّجاع

قناة الدين ركّب منه فيها ... سنان يستحر به القراع

وهذه نفثة مصدور ومقالة موتور لأن الحق أن أهل خوارزم ليسوا ذئابا مكلحة، وليسوا أراقم، وليست فيهم تلك الخلاعة التى تجعل الصناج ينتفع بينهم بيديه، وانما هم قوم محاربون جادون صقلتهم بوارق سيوف الجهاد وصهرتهم حرارة الحروب الضارية بينهم وبين أهل الشرك، وأخلصوا في ذلك نياتهم وقد تكفل الله بنصرهم في عامة الأوقات، وقد نبغ فيهم العلماء وأهل الفقه والصلاح.

ثم عاوده حنينه إلى مكة ولام نفسه أشد اللوم لأنها ابتاعت بالفوز الشقاوة، واستبدلت الدنيا بالآخرة:

بكاء على أيام مكة إن بى ... إليها حنين النّيب فاقدة البكر

تذكرت أيامى بها فكأنّنى ... قد اختلفت زرق الأسنّة في صدرى

أببت على الصخر المبارك باكيا

كما كانت الخنساء تبكى على صخر [54]

ويقول في أخرى:

أأبتاع بالفوز الشقاوة خاسرا ... وأستبدل الدنيا الدنيّة بالأخرى

إذا خطرت بالبال ذكرى إناختى ... على حرم لله استفزّتني الذكرى

أكابد ليلا كالليالى وحسرة ... ودمعا غزير المستقى غائر المجرى

وأدعو إلى السّلوان قلبا جوابه ... لداعيه مهراق من المقلة العبرى

وما عذر مطروح بمكّة رحله ... على غير بؤس لا يجوع ولا يعرى

فما فرّ عنها يبتغى بدلا لها ... وربّك لا عذرا وربك لا عذرا [55]

ولما رجع إلى مكة في هجرته الثانية واستقر به المقام فيها كتب

(54) الديوان ورقة 68، 69.

(55) الديوان ورقة 41.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت