ابن السراج وغيره من الأئمة الأماثل، وجاب البلاد وطاف الآفاق
وقصده الناس من الأماكن البعيدة، وسمعوا عليه وانتفعوا به ولم يكن في آخر عمره في عصره مثله [67] .
* * * وقد ترك الزمخشرى تراثا ضخما في علوم مختلفة ذكر له ياقوت سبعة وأربعين كتابا موزعة بين علوم اللغة والنحو والأدب والتفسير والحديث والفقه والأصول والتراجم والمنطق.
ففي اللغة كتب أساس البلاغة، وهو مؤلف بعد كتاب الكشاف، وغرضه منه أن يعين الباحث على تعرف الجهات التى توصل إلى تبين مراسم البلغاء، والعثور على مناظم الفصحاء، فيكون الناظر في اعجاز القرآن أعرف بأسراره ولطائفه، واذا كان الكتاب معجما يحشد ألفاظ اللغة وليس فيه ما يتصل بالدرس البلاغى الا تلك الاشارات المجملة إلى المعانى الحقيقية والمجازية، فمن أى وجه يعين الباحث على ادراك الاعجاز حتى يكون صدر يقينه أثلج كما يقول الزمخشرى؟
والجواب أن الزمخشرى قد استكثر في هذا الكتاب من نوابغ الكلم، الهادية إلى مراشد حر المنطق، الدالة على ضالة المنطيق المفلق فهو يربى ملكة البيان بممارسة هذه الأساليب، والاطلاع على فنون التراكيب، وتخير ما وقع في عبارات المبدعين، وانطوى تحت استعمالات المفلقين. وهذه طريقة عملية في التعرف على بلاغة القرآن، وادراكها بالذوق المهيأ لهذا الادراك، ولذلك نجد كتاب الأساس اتجاها فريدا بين هذه الاتجاهات التى اتصلت بالاعجاز، فهو لم يدرس مسائل البلاغة، ولم يفصل القول في التشبيه والاستعارة والالتفات والطباق، ولم يتحدث عن وجوه الاعجاز غير البلاغية، وانما ابتدع طريقة عملية، أساسها تربية الملكة الفنية، وكانت مادة هذا الكتاب كما يقول خلاصة جهده، ومطالعاته في الكتب، وسماعه
(67) وفيات الأعيان ج 1ص 87.