فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 744

أقيموا بنى أمىّ صدور مطيّكم ... فإنّى إلى قوم سواكم لأميل

أصل «أقيموا» أقوموا، وماضيه: أقام، وعينه واو لقولك فيه أقوم، فاستثقلت الكسرة على الواو فنقلت إلى القاف، فقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، وهو فعل أمر مبنى في الأصل على السكون، وما يبنى منه على حركة فلعلة أوجبت بناءه عليها، وذهب قوم إلى أنه معرب بالجزم، واتفقوا على أن فعل الأمر للغائب نحو ليقم وليذهب مجزوم باللام الداخلة عليه، فهو معرب اتفاقا ودليل البناء أن الأصل في الأفعال البناء فهى محكوم عليها به إلى أن يقوم دليل اعراب شىء منها، فيكون اخراجا لها عن أصلها، ولم يعرب منها سوى المضارع لشبهه بالاسم، وهو ما كان في أوله احدى الزوائد الأربع فيحكم عليه بالاعراب ما دام وصف المضارعة باقيا وذلك إذا كانت زائدة من الزوائد الأربع موجودة في أوله، فمتى زايلته زال شبهه بالاسم فيعود إلى أصله من البناء أيضا، فانه لا يحتمل معانى يفرق الاعراب بينها والاعراب في الأصل انما جاء لهذا عند المحققين، وقال الآخرون: ما فيه اللام معرب فيعرب ما لا لام فيه لتقدير اللام، كما قيل: محمد تفد نفسك، أى لتفد نفسك، وحرف المضارعة أيضا مقدر كالمثال المذكور، ولا تعويل على هذا القول فان الحذف من الشيء لا يوجب تغيير الصيغة بل يحذف ما يحذف ويبقى ما يبقى بعد الحذف

على حاله كقولك: ارم، فان الأصل اثبات الياء وبعد حذفها بقى ما كان على ما كان، وهذا مفهوم في فعل الأمر، ألا ترى أنك إذا حذفت التاء من «تضرب» لا تقول: ضرب زيد، بل تعدل إلى صيغة أخرى هى أضرب، وأما البيت فالأصل «تفدى» على الخبر، وانما حذفت الياء للضرورة [76] .

وواضح أن هذا كله يدور حول كلمة «أقيموا» في البيت فاذا انتقل إلى الكلمة التى تليها ناقشها بهذه الطريقة المستفيضة، وهذه الدراسة النحوية إذا قورنت بما كتبه في النحو كالمفصل والأنموذج ظهر بينهما فرق كبير يتمثل في الايجاز والاختصار الذى مال اليه في تأليف كتب النحو، والاطالة والاسهاب، والاستطراد، في هذه الدراسة النحوية للأساليب الأدبية.

وكان معتزا بهذا اللون من الدرس، يقول في مقدمة هذه الدراسة:

«هذه نكتة قذفتها خواطر خاطرى، وفائدة جرّتها نواظر ناظرى، وعقد توسط بين درر الجواهر، وروض تبسم بين الزهور النواضر، وسبك لم ينسج على منواله، فيقال قد سبق اليه، وزركش قد نظم بين اليواقيت فكل عالم يعرج اليه، غاص لها الخاطر في بحر الأفكار فاستخرج دررها، وتاه الناظر في بكر الأفعال فاستحضر صورها، من كل غريبة كلّ حديد النظر عن تقررها، وملّ مزيد الفكر عن تدبرها» [77] .

وهذا يفيدنا أن هذا النوع من الدراسة كان الزمخشرى أبا عذرته، وفارس حلبته، وقد اهتمت كلية اللغة العربية بهذا اللون من الدرس النحوى لتقرر في نفوس أبنائها أصول النحو ومسائله بهذه الطريقة العلمية المستفيضة حيث تجتمع لهم أشتات من المسائل النحوية في موضوع واحد، وقد نهض أساتذتها بهذا الدرس فكتبوا كتبا نافعة نهجوا

(76) أعجب العجب ص 3، 4.

(77) المرجع السابق ص 2، 3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت