والمهم في قضيتنا أننا نفهم من وصف الزمخشرى لأهل زمانه بالعجز عن استيعاب التفسير المؤسس على علمى المعانى والبيان أنه لم يودع في تفسيره كل ما يراه من نكت ولطائف ولم يتكلم عن بلاغة القرآن كما كان يستطيع أن يتكلم لأنه من غير شك نظر إلى جمهرة القراء الذين كتب لهم هذا التفسير.
وبهذا يكون الزمخشرى الذى نراه أكبر دارس لبلاغة القرآن داعيا إلى ضرورة متابعة البحث في هذه البلاغة فاتحا باب الاجتهاد في هذا الموضوع. وقد كتب هذا التفسير في أحضان الشيعة وفى رعاية الأمير الشريف الحسن على بن وهاس وهو شريف حسنى من مقدمى الشيعة ووجهائهم وكان مشاركا في العلوم والآداب وقد رغب إلى الزمخشرى أن يكتب هذا التفسير، وبهذا يكون هذا التفسير ثمرة من ثمار لقاء الشيعة والمعتزلة، ولكنه ليس تفسيرا شيعيا وليس تصويرا لمعتقداتهم الخاصة وان كان لا يخلو من الدعوة لهم والتشهير ببنى أمية، ونشير هنا إلى أن تراث المعتزلة بعد المتوكل لا يخلو من هذا الولاء الشيعى، فقد حالف المعتزلة الشيعة بعد هذا التسلط المحموم الذى وقع عليهم بعد توليته في سنة 232هـ، وكان الفريقان يلقيان عنتا واضطهادا في بعض الأقطار الاسلامية، وكانوا يخفون مذهبهم أحيانا، وقد تشدد أهل الأندلس في اضطهادهم فكانوا إذا وقفوا على معتزلى أو شيعى ربما قتلوه، كما يقول المقدسى [91] .
وقد ذاع كتاب الكشاف وصاح صيته في شرق العالم الاسلامى وغربه واهتم به المثقفون اهتماما يكاد يكون منفردا في كتب اللغة والأدب والتفسير. ففزع منه أهل السنة والجماعة وشرعوا أقلامهم لمناقشتة والرد على مسائل الاعتزال وبدعه كما يعتقدون وهم مقدرون أن الزمخشرى معتزلى خطير المكانة في العلم والعقيدة وأنه قادر على أن يدس البدع في كلامه الحسن الفصيح. وقد بالغوا في معارضته حتى دعوا الناس إلى مقاطعة هذا الكتاب وأجازوا للعلماء المتمكنين في أحوال الدين
(91) ينظر أحسن التقاسيم ص 236.