60 -يَجُوزُ الدُّخُولُ إلَى مَكَان يَعْلَمُ الدَّاخِلُ إلَيْهِ أَنَّ فِيهِ صُوَرًا مَنْصُوبَةً عَلَى وَضْعٍ مُحَرَّمٍ , وَلَوْ كَانَ يَعْلَمُ بِذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ , وَلَوْ دَخَلَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ . هَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ . قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْفَضْلِ عَنْهُ , لِمَنْ سَأَلَهُ قَائِلًا: إنْ لَمْ يَرَ الصُّوَرَ إلَّا عِنْدَ وَضْعِ الْخِوَانِ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ . أَيَخْرُجُ ؟ قَالَ: لَا تُضَيِّقْ عَلَيْنَا . إذَا رَأَى الصُّوَرَ وَبَّخَهُمْ وَنَهَاهُمْ . يَعْنِي: وَلَا يَخْرُجُ . قَالَ الْمِرْدَاوِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ قَوْلَيْنِ عِنْدَهُمْ , وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ . وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُغْنِي , قَالَ: لِأَنَّ { النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ الْكَعْبَةَ فَرَأَى فِيهَا صُورَةَ إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ يَسْتَقْسِمَانِ بِالْأَزْلَامِ , فَقَالَ: قَاتَلَهُمْ اللَّهُ , لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمَا لَمْ يَسْتَقْسِمَا بِهَا قَطُّ } قَالُوا: وَلِأَنَّهُ كَانَ فِي شُرُوطِ عُمَرَ رضي الله عنه عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ أَنْ يُوَسِّعُوا أَبْوَابَ كَنَائِسِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ , لِيَدْخُلُوهَا لِلْمَبِيتِ بِهَا , وَلِلْمَارَّةِ بِدَوَابِّهِمْ . وَذَكَرُوا قِصَّةَ عَلِيٍّ فِي دُخُولِهَا بِالْمُسْلِمِينَ وَنَظَرِهِ إلَى الصُّورَةِ كَمَا تَقَدَّمَ . قَالُوا: وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ مَا وَرَدَ { أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ } ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ عَلَيْنَا تَحْرِيمَ دُخُولِهِ , كَمَا لَا يُوجِبُ عَلَيْنَا الِامْتِنَاعَ مِنْ دُخُولِ بَيْتٍ فِيهِ كَلْبٌ أَوْ جُنُبٌ أَوْ حَائِضٌ , مَعَ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُهُ .
61 -وَمِثْلُ هَذَا مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ فِي الصُّوَرِ الْمُجَسَّمَةِ الَّتِي لَيْسَتْ عَلَى وَضْعٍ مُحَرَّمٍ عِنْدَهُمْ , أَوْ غَيْرِ الْمُجَسَّمَةِ . أَمَّا الْمُحَرَّمَةُ فَإِنَّهَا تَمْنَعُ وُجُوبَ إجَابَةِ الدَّعْوَةِ عَلَى مَا يَأْتِي . وَلَمْ نَجِدْ فِي كَلَامِهِمْ مَا يُبَيِّنُ حُكْمَ الدُّخُولِ إلَى مَكَان هِيَ فِيهِ .
62 -وَاخْتَلَفَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ , وَالرَّاجِحُ عِنْدَهُمْ - وَهُوَ الْقَوْلُ الْمَرْجُوحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - أَنَّهُ يَحْرُمُ الدُّخُولُ إلَى مَكَان فِيهِ صُوَرٌ مَنْصُوبَةٌ عَلَى وَضْعٍ مُحَرَّمٍ . قَالُوا: لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ . قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله: إنْ رَأَى صُوَرًا فِي الْمَوْضِعِ ذَوَاتَ أَرْوَاحٍ لَمْ يَدْخُلْ الْمَنْزِلَ الَّذِي فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرُ إنْ كَانَتْ مَنْصُوبَةً لَا تُوطَأُ , فَإِنْ كَانَتْ تُوطَأُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَدْخُلَهُ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيَّةِ: عَدَمُ تَحْرِيمِ الدُّخُولِ , بَلْ يُكْرَهُ . وَهُوَ قَوْلُ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ وَالصَّيْدَلَانِيّ , وَالْإِمَامِ , وَالْغَزَالِيِّ فِي الْوَسِيطِ , وَالْإِسْنَوِيِّ . قَالُوا: وَهَذَا إنْ كَانَتْ الصُّوَرُ فِي مَحَلِّ الْجُلُوسِ , فَإِنْ كَانَتْ فِي الْمَمَرِّ أَوْ خَارِجَ بَابِ الْجُلُوسِ لَا يُكْرَهُ الدُّخُولُ ; لِأَنَّهَا تَكُونُ كَالْخَارِجَةِ مِنْ الْمَنْزِلِ . وَقِيلَ: لِأَنَّهَا فِي الْمَمَرِّ مُمْتَهَنَةٌ .
وفي معالم القربى:
( الْبَابُ الرَّابِعُ: فِي الْحِسْبَةِ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ ) (1)
(1) - معالم القربة في طلب الحسبة - (ج 1 / ص 43)