44 -اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مِقْدَارِ الْجِزْيَةِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: جِزْيَةٌ تُوضَعُ بِالتَّرَاضِي وَالصُّلْحِ , وَجِزْيَةٌ يَبْتَدِئُ الْإِمَامُ وَضْعَهَا عَلَى الْكُفَّارِ إذَا فَتَحَ بِلَادَهُمْ عَنْوَةً . فَالضَّرْبُ الْأَوَّلُ: الْجِزْيَةُ الصُّلْحِيَّةُ لَيْسَ لَهَا حَدٌّ مُعَيَّنٌ بَلْ تَتَقَدَّرُ بِحَسَبِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاتِّفَاقُ بَيْنَ الْإِمَامِ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِاخْتِلَافِ مَقَادِيرِ الْجِزْيَةِ الصُّلْحِيَّةِ مِنْ مَجْمُوعَةٍ إلَى مَجْمُوعَةٍ أُخْرَى . فَقَدْ { صَالَحَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَهْلَ نَجْرَانَ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ , النِّصْفُ فِي صَفَرٍ , وَالْبَقِيَّةُ فِي رَجَبٍ يُؤَدُّونَهَا إلَى الْمُسْلِمِينَ } . { وَأَمَرَ مُعَاذًا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا , وَعَدْلَهُ مِنْ الْمَعَافِرِ } . وَصَالَحَ عُمَرُ رضي الله عنه بَنِي تَغْلِبَ عَلَى أَنْ يُؤَدُّوا ضِعْفَ زَكَاةِ الْمُسْلِمِينَ . رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ التَّغْلِبِيِّ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ - أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه لَمَّا صَالَحَهُمْ - يَعْنِي نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ - عَلَى تَضْعِيفِ الصَّدَقَةِ قَالُوا: نَحْنُ عَرَبٌ لَا نُؤَدِّي مَا يُؤَدِّي الْعَجَمُ , وَلَكِنْ خُذْ مِنَّا كَمَا يَأْخُذُ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ - يَعْنُونَ الصَّدَقَةَ - فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: لَا , هَذِهِ فَرْضُ الْمُسْلِمِينَ . قَالُوا: فَزِدْ مَا شِئْت بِهَذَا الِاسْمِ , لَا بِاسْمِ الْجِزْيَةِ , فَفَعَلَ فَتَرَاضَى هُوَ وَهُمْ عَلَى أَنْ تُضَعَّفَ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَةُ . وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ:"سَمُّوهَا مَا شِئْتُمْ". وَالضَّرْبُ الثَّانِي: الْجِزْيَةُ الْعَنْوِيَّةُ وَهِيَ مُقَدَّرَةُ الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ , فَيَضَعُ عَلَى الْغَنِيِّ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا , وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ , وَعَلَى الْفَقِيرِ الْمُعْتَمِلِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَضَعَ فِي الْجِزْيَةِ عَلَى رُءُوسِ الرِّجَالِ عَلَى الْغَنِيِّ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا , وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا , وَعَلَى الْفَقِيرِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا . قَالَ الْحَنَفِيَّةُ:"وَنَصْبُ الْمَقَادِيرِ بِالرَّأْيِ لَا يَكُونُ , فَعَرَفْنَا أَنَّ عُمَرَ اعْتَمَدَ السَّمَاعَ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَخَذْنَا بِهِ"وَقَدْ فَعَلَ عُمَرُ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ . وَاسْتَدَلُّوا بِقِيَاسِ الْجِزْيَةِ عَلَى خَرَاجِ الْأَرْضِ , فَقَدْ جَعَلَ الْخَرَاجَ عَلَى مِقْدَارِ الطَّاقَةِ , وَاخْتَلَفَ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَرْضِ وَطَاقَتِهَا الْإِنْتَاجِيَّةِ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْجِزْيَةُ عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ وَالْإِمْكَانِ , فَتَخْتَلِفُ بِحَسَبِ طَاقَةِ الشَّخْصِ وَإِمْكَانَاتِهِ الْمَالِيَّةِ . وَبِأَنَّ الْجِزْيَةَ إنَّمَا وَجَبَتْ عِوَضًا عَنْ النُّصْرَةِ لِلْمُسْلِمِينَ , وَالنُّصْرَةُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ تَتَفَاوَتُ , فَالْفَقِيرُ يَنْصُرُ دَارَ الْإِسْلَامِ رَاجِلًا , وَمُتَوَسِّطُ الْحَالِ يَنْصُرُهَا رَاجِلًا وَرَاكِبًا , وَالْمُوسِرُ يَنْصُرُهَا بِالرُّكُوبِ بِنَفْسِهِ وَإِرْكَابِ غَيْرِهِ . فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْجِزْيَةُ عَلَى قَدْرِ طَاقَةِ الشَّخْصِ وَإِمْكَانَاتِهِ الْمَالِيَّةِ . 45 - وَاخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمُرَادِ بِالْغَنِيِّ وَالْمُتَوَسِّطِ وَالْفَقِيرِ عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ: مَنْ لَمْ يَمْلِكْ نِصَابًا تَجِبُ فِي مِثْلِهِ الزَّكَاةُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ , وَهُوَ مِائَتَا دِرْهَمٍ فَهُوَ فَقِيرٌ . وَمَنْ مَلَكَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَهُوَ مِنْ الْأَوَاسِطِ . وَمِنْ مَلَكَ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا , فَهُوَ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ , لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُمَا قَالَا: أَرْبَعَةُ آلَافٍ فَمَا دُونَهَا نَفَقَةٌ , وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ كَنْزٌ . وَالثَّانِي: مَا قَالَهُ الْكَرْخِيُّ: مَنْ لَمْ يَمْلِكْ نِصَابًا فَهُوَ فَقِيرٌ , وَمَنْ مَلَكَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ إلَى أَقَلَّ مِنْ عَشْرَةِ آلَافٍ فَهُوَ مِنْ الْأَوْسَاطِ , وَمَنْ مَلَكَ زِيَادَةً عَلَى عَشْرَةِ آلَافٍ فَهُوَ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ . وَالثَّالِثُ: مَا قَالَهُ بِشْرُ بْنُ غِيَاثٍ: مَنْ كَانَ يَمْلِكُ قُوتَهُ وَقُوتَ عِيَالِهِ وَزِيَادَةً فَهُوَ مُوسِرٌ , وَإِنْ مَلَكَ بِلَا فَضْلٍ فَهُوَ الْوَسَطُ , وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَدْرُ الْكِفَايَةِ فَهُوَ الْفَقِيرُ الْمُعْتَمِلُ أَوْ الْمُكْتَسِبُ . وَالرَّابِعُ: مَا قَالَهُ أَبُو يُوسُفَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ:"الْمُوسِرُ": مِثْلُ الصَّيْرَفِيِّ , وَالْبَزَّازِ , وَصَاحِبِ الضَّيْعَةِ , وَالتَّاجِرِ , وَالْمُعَالِجِ , وَالطَّبِيبِ , وَكُلِّ مَنْ كَانَ