مِنْهُمْ بِيَدِهِ صِنَاعَةٌ وَتِجَارَةٌ يَحْتَرِفُ بِهَا فَيُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ كُلِّ صِنَاعَةٍ وَتِجَارَةٍ عَلَى قَدْرِ صِنَاعَتِهِمْ وَتِجَارَتِهِمْ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا مِنْ الْمُوسِرِ , وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا مِنْ الْوَسَطِ , مَنْ احْتَمَلَتْ صِنَاعَتُهُ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ أُخِذَ مِنْهُ ذَلِكَ , وَمَنْ احْتَمَلَتْ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا أُخِذَ ذَلِكَ مِنْهُ , وَاثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا عَلَى الْعَامِلِ بِيَدِهِ: مِثْلِ الْخَيَّاطِ وَالصَّبَّاغِ وَالْإِسْكَافِ وَالْخَرَّازِ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ . وَالْخَامِسُ: مَا قَالَهُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ: إنَّهُ يُنْظَرُ إلَى عَادَةِ كُلِّ بَلَدٍ فِي ذَلِكَ , فَصَاحِبُ خَمْسِينَ أَلْفًا بِبَلْخٍ يُعَدُّ مِنْ الْمُكْثِرِينَ , وَفِي الْبَصْرَةِ لَا يُعَدُّ مُكْثِرًا . فَهُوَ يُعْتَبَرُ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ عُرْفُهَا , فَمَنْ عَدَّهُ النَّاسُ فِي بَلَدِهِمْ فَقِيرًا , أَوْ وَسَطًا , أَوْ غَنِيًّا فَهُوَ كَذَلِكَ , وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ , قَالَ الْمَوْصِلِيُّ:"وَالْمُخْتَارُ أَنْ يُنْظَرَ فِي كُلِّ بَلَدٍ إلَى حَالِ أَهْلِهِ , وَمَا يَعْتَبِرُونَهُ فِي ذَلِكَ , فَإِنَّ عَادَةَ الْبِلَادِ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفَةٌ".
46 -وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ ضَرْبَانِ: صُلْحِيَّةٌ , وَعَنْوِيَّةٌ: فَالضَّرْبُ الْأَوَّلُ: الْجِزْيَةُ الصُّلْحِيَّةُ: وَهِيَ الَّتِي عُقِدَتْ مَعَ الَّذِينَ مَنَعُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَبِلَادَهُمْ مِنْ أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ بِالْقِتَالِ , وَهِيَ تَتَقَدَّرُ بِحَسَبِ مَا يَتَّفِقُ عَلَيْهِ الطَّرَفَانِ . وَلَا حَدَّ لِأَقَلِّهَا وَلَا أَكْثَرِهَا عِنْدَ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ , وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّ الصُّلْحِيَّ إنْ بَذَلَ الْقَدْرَ الَّذِي عَلَى الْعَنْوِيِّ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْإِمَامَ أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ , وَيَحْرُمُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُقَاتِلَهُ . وَاسْتَدَلُّوا بِأَدِلَّةِ الْحَنَفِيَّةِ السَّابِقَةِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: الْجِزْيَةُ الْعَنْوِيَّةُ: وَهِيَ الَّتِي تُفْرَضُ عَلَى أَهْلِ الْبِلَادِ الْمَفْتُوحَةِ عَنْوَةً , وَتُقَدَّرُ بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ , وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا عَلَى أَهْلِ الْفِضَّةِ , بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ . وَنَحْوُ هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ فِيهَا أَنَّهَا عَلَى الْغَنِيِّ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا وَعَلَى الْوَسَطِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ , وَعَلَى الْفَقِيرِ اثْنَا عَشَرَ , وَهَذِهِ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ , وَيُرْجَعُ إلَى الْعُرْفِ مِنْ الْغِنَى وَالْفَقْرِ . وَقَدْ اسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا رَوَى الْإِمَامُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ ضَرَبَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ , وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا , وَمَعَ ذَلِكَ أَرْزَاقُ الْمُسْلِمِينَ , وَضِيَافَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ . قَالَ الْبَاجِيُّ الْمُرَادُ بِأَرْزَاقِ الْمُسْلِمِينَ أَقْوَاتُ مَنْ عِنْدَهُمْ مِنْ أَجْنَادِ الْمُسْلِمِينَ , وَالْمُرَادُ بِالضِّيَافَةِ ضِيَافَةُ الْمُجْتَازِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ . وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ قَدَّرَهَا بِهَذَا الْمِقْدَارِ وَذَلِكَ لِمَا رَآهُ مِنْ الِاجْتِهَادِ وَالنَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ وَاحْتِمَالِ أَحْوَالِ أَهْلِ الْجِزْيَةِ . وَأَمَّا أَرْزَاقُ الْمُسْلِمِينَ وَالضِّيَافَةُ , فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ:"أَرَى أَنْ تُوضَعَ عَنْهُمْ الْيَوْمَ الضِّيَافَةُ وَالْأَرْزَاقُ , لِمَا حَدَثَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْجَوْرِ", وَذَلِكَ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ , وَنَقَلَ الدُّسُوقِيُّ عَنْ الْبَاجِيِّ وَأَقَرَّهُ أَنَّهُ إنْ انْتَفَى الظُّلْمُ فَلَا تَسْقُطُ .